Daily Updates

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

ستقوم مجلة التلميذ الدولية بإصدار عددٍ خاصٍ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر 2025، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين. ويأتي هذا الإصدار احتفاءً بلغة الضاد وإبرازًا لدورها الحضاري ورسوخها في الثقافة والتعليم والإبداع.

2394-6628 مجلة التلميذ مجلة محكمة دولية شهرية صادرة عن وزارة التعليم العالي بولاية جامو و كشمير الهند الرقم الدولي

تعزيز لغة الضاد وتأكيد قدرتها على اقتحام التكنولوجيات

السفارات العربية بالهند

مجلس اللسان العربي بموريتانيا يدعو لسن قانون لحماية اللغة العربية

حفل التدشين الرسمي للمجلة العربية الشهرية مجلة التلميذ

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

August 21, 2026

Follow Us:

Tilmeez is a peer-reviewed international monthly Arabic journal (ISSN 2394-6628), published under the Ministry of Higher Education, Jammu & Kashmir, India.

Follow Us

مصطفى السباعي وموقفه من الاشتراكية

  فرحان أنصاري باحث الدكتوراه، بجامعة جواهر لال نهرو نيودلهي-٦۷ __________________________________________________   Abstract: The age in which we live is the age of different trends that have arisen over different stages of time in several countries of the world, especially in Western countries, and insinuated into the Eastern countries to affect their cultures and languages… View Article

مصطفى السباعي وموقفه من الاشتراكية

 

فرحان أنصاري

باحث الدكتوراه، بجامعة جواهر لال نهرو

نيودلهي-٦۷

__________________________________________________

 

Abstract: The age in which we live is the age of different trends that have arisen over different stages of time in several countries of the world, especially in Western countries, and insinuated into the Eastern countries to affect their cultures and languages ​​more profoundly. One of the most prominent trends discussed by most writers and researchers in their writings and researches is the trend of socialism. They discussed it in different ways, but the creative writer, who dealt with this issue effectively and comprehensively, is Mustafa al-siba‘i. He wrote a book entitled “Socialism of Islam” that sparked a huge controversy in various circles.The research aims to highlight some aspects of the life of Mustafa al-siba‘i, his upbringing, education, his trip to Egypt, his political struggle and social activism, and his books on various topics. The research also aims to clarify the meaning of socialism of the West and the position of Mustafa al-siba‘i on it, mentioning the socialism of Islam, which al-siba‘i talked about in his book. This research follows descriptive and analytical approach in projecting the life of Mustafa al-siba‘i and his position on socialism. The research ends with a conclusion focusing on the most important findings.

Keywords: Islam, Mustafa, Politics, Socialism, Society, Syria.

 

الملخص:إن العصر الذي نعيش فيه هو عصر النزعات المختلفة التي نشأت عبر مراحل زمنية مختلفة في عدة أقطار العالم وخاصة في الدول الغربية، وتسربت منها إلى الدول الشرقية لتؤثر على ثقافاتها ولغاتها تأثيرا أعمق، ومن أبرز النزعات التي تناولها معظم الكتاب والباحثين في مؤلفاتهم وبحوثهم هي النزعة الاشتراكية، فقد ناقشوها من نواح مختلفة، إلا أن الكاتب المبدع الذي تناول هذه القضية بإسهاب فهو مصطفى السباعي. إنه ألف كتابا بعنوان اشتراكية الإسلام وقد أثار عنوان هذا الكتاب جدلا كبيرا في مختلف الأوساط.

يهدف هذا البحث إلى إبراز بعض الجوانب من حياة مصطفى السباعي ونشأته وتعليمه ورحلته إلى مصر وكفاحه السياسي ونشاطه الاجتماعي وإبراز مؤلفاته التي دبّجها حول المواضيع المختلفة. ويهدف هذا البحث أيضا إلى توضيح معنى اشتراكية الغرب وموقف مصطفى السباعي منها مع ذكر اشتراكية الإسلام التي تحدث عنها السباعي في كتابه. وسيتبع هذا البحث المنهج الوصفي التحليلي في عرض حياة مصطفى السباعي وموقفه من الاشتراكية. كما ينتهي البحث بخاتمة تركز على أهم النتائج التي توصل إليها.

كلمات مفتاحية: اجتماع، إسلام، اشتراكية، سوريا، سياسة، مصطفى

توطئة: إن العصر الذي نعيش فيه هو عصر المادية التي طغت على الروحانية وهو عصر النزعات المختلفة التي نشأت عبر مراحل زمنية مختلفة في عدة أقطار العالم وخاصة في الدول الغربية، وتسربت منها إلى الدول الشرقية لتؤثر على ثقافاتها ولغاتها تأثيرا أعمق، وتغرس في أذهان الناس أن المادية هي أقوى من الروحانية وأنه لا سبيل للتغلب على المشاكل في الحياة إلا إذا اعتمد الإنسان هذه النزعات دون أي مقاومة. ومن أبرز النزعات التي تناولها معظم الكتاب والباحثين في مؤلفاتهم وبحوثهم هي النزعة الاشتراكية، فقد ناقشوها من نواحي مختلفة، إلا أن الشخصية البارزة التي تناولت هذه القضية بإسهاب فهي شخصية مصطفى السباعي، الكاتب المبدع والقائد السياسي. إنه ألف كتابا بعنوان اشتراكية الإسلام وقد أثار عنوان هذا الكتاب جدلا كبيرا في مختلف الأوساط. وفيما يلي نذكر حياة مصطفى السباعي ونشاطاته في مختلف الميادين وموقفه من الاشتراكية.

مولده ونشأته: ولد مصطفى السباعي بمدينة حمص عام 1333هـ – 1915م[1]، ونشأ في أسرة دينية علمية معروفة بالعلم والعلماء منذ مئات السنينومتميزة بأعضائها الدعاة ومجاهديها البواسل الذين خاضوا المعركة ضد الاحتلال في البلدان العربية ودافعوا عن الإسلام والمسلمين.وخير مثال على ذلك الشيخ مصطفى السباعي الذي كان داعيا مجددا ومجاهدا باسلا لم يترك أي فرصة إلا واغتنمها. وكان والده وأجداده يتولَّون الخطابة في الجامع الكبير بحمص جيلاً بعد جيل، وكان لأبيه مجالس علمية مع ثلة من فقهاء المدينة يجتمعون فيها ويتدارسون الفقه ويتناقشون في أدلة مسائله على تعدد مذاهبهم. يقول الشيخ السباعي: “وكان أبي رحمه الله يحضرني معه هذه الحلقات على صغر سني مما حبّب إليّ هذه الأجواء”. ويقول أيضا: “حتى إذا تهيأت للدراسة العلمية وجهني إلى دراسة علوم الشريعة، وبخاصة دراسة الفقه المقارن ومسالك الأئمة في اجتهادهم”[2].

تعليمه: بدأ مصطفى السباعي تعليمه البدائي منذ سن مبكرة حيث حفظ القرآن الكريم قبل التحاقه بالمدرسة، ثم أقبل على الدراسة في المدرسة المسعودية، وهي مدرسة أهلية أسسها الشيخ طاهر الرئيس بالمدينة. ثم التحق بالثانوية الشرعية (إعدادي وثانوي) وتخرج فيها عام 1930م،[3] وهو في الخامسة عشرة من عمره. وأتاحت له دراسته الشرعية التي استغرقت أربع سنوات فرصة ذهبية للإلمام بمحاسن الإسلام وتعاليمه السمحة وللتعرف على الثقافة الإسلامية وعلوم الشريعة مما دفعه إلى تحديد أسباب تخلف المسلمين في مختلف المجالات وبعدهم عن الشريعة. كما كان الشيخ السباعي شغوفا بالمطالعة وعدم الاقتصار على الكتب المدرسية والمناهج التدريسية، ويقّدر أساتذته ومعلميه لما كانوا يحتلون مكانة أسمى لديه، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى فِطنته الحادة التي ما لبثت أن ضمنت له بالنجاح الباهر والتفوق على أقرانه في الدراسة وفي ميدان العمل العام بصفته خطيبا على منبر أبيه في المسجد الجامع، ومقاوما للثقافة التبشيرية ودعواتها الباطلة، ومحرضا على مقاومة الاستعمار والاحتلال ليس فقط ضد سياسة فرنسا في بلاده سوريا، بل كذلك ضد سياستها في المغرب العربي.[4]

رحلته إلى مصر: في عام 1933م،ذهب مصطفى السباعي إلى مصر للدراسة الجامعية بالأزهر، والتحق بكلية الشريعة وتخصّص في الفقه والأصول، واستمرَّ محبًّا للتعليم حتى حصل على درجة الدكتوراه في التشريع الإسلامي وتاريخه، وقدّم أطروحته العلمية بعنوان “السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي” عام 1368هـ الموافق 1949م.

وكانت حياته في الجامع الأزهر مفعمة بالحيوية والنشاطات الثقافية حيث لم يمض على السباعي عام واحد في الأزهر حتى كان هو المعبر عن حاجات الطلبة غير المصريين ومطالبهم في الأزهر. ويتجلى ذلك في خطبته التي ألقاها أثناء قيام الأزهريين بالإعراب عن مطالبهم. وهكذا، كوّن مصطفى السباعي مع نفر من زملائه الأزهريين لجنة باسم “لجنة الشؤون الإسلامية بالأزهر” في أوائل عام 1358هـ، منهم محمد نايل وسيد الحكيم ومحمد عبد الوهاب بحيري وعبد المعز عبد الستار ومحمد الحسيني عبد الغفار.

وكانت هذه اللجنة تهدف إلى:

  1. رفع صوت الأزهر عاليا بالدفاع عن الإسلام وتشريعه وردّ كيد أعدائه.
  2. تتبع نهضات المسلمين وأخبارهم وإذاعة ذلك على أبناء الأزهر.
  3. احتجاج الأزهر واستنكاره لكل عدوان يقع على أمة مسلمة في بلد إسلامي.

ولا شك في أن هذه اللجنة فتحت صفحة جديدة من تاريخ الأزهر الناصع، وجهاده في خدمة دين الله وشعوب المسلمين، وكانت منبرا قويا لرفع الأصوات وتسجيل الاحتجاجات ضد كافة أنواع الظلم والعدوان.

وخلال فترة دراسته في الأزهر بمصر، تعرّف مصطفى السباعي على الإمام الشهيد حسن البنا المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين بمصر، وكانت الصلة بينهما وطيدة لدرجة أنها لم تنقطع حتى بعد عودة مصطفى السباعي إلى سوريا. وعندما عاد السباعي من مصر إلى سوريا بعد تلقّى دارسته في الأزهر، وجّه الدعوة إلى العلماء والدعاة وأعضاء الجمعيات والجماعات الإسلامية المختلفة في المحافظات السورية، فاجتمعوا وتوصلوا إلى قرار نهائي بخصوص توحيد صفوفهم وجماعاتهم الفرعية المنتشرة عبر محافظات سوريا المختلفة. وهكذا، برزت على أيديهم جماعة الإخوان المسلمين إلى حيز الوجود لعموم سوريا في عام 1945م،[5] واختار الجميع مصطفى السباعي ليكون أول مراقب عام للإخوان المسلمين في سوريا.

كفاحه السياسي ونشاطه الاجتماعي: حينما عاد مصطفى السباعي من مصر إلى بلاده سوريا متثقفا بالثقافة العربية الإسلامية ومتحليا بعلوم الشريعة زاد اهتمامه بالقضايا العربية والإسلامية وبآلام الأمة وآمالها حيث ركز عنايته في ميادين الإصلاح، فناد جماعة الإخوان المسلمين في سوريا بالإصلاح السياسي، والكفاح الوطني، والقضاء على الاستعمار، ورفع المظالم عن العمال والفلاحين، وإنشاء المدارس والمعاهد والأندية الرياضية، والمخيمات الكشفية، ومراكز الفتوة في مختلف المحافظات. وكان هو القائد العام للفتوة، كما قام الإخوان المسلمون بتشكيل لجان الإصلاح بين الناس وتقديم الخدمات الصحية والاجتماعية والخيرية وزيارة القرى والأرياف.

وكانت جماعة الإخوان المسلمين في سوريا منبرا بارزا وصوتا قويا لتحقيق هذه الأهداف المنشودة حيث خرجت منها جماعة من المسلمين السوريين لنشر الدعوة الإسلامية الصحيحة، والمشاركة في مختلف المظاهرات والاحتجاجات والثورات ضدّ احتلال الغرب في مختلف البلدان العربية، والخوض في معارك فلسطين التي كانت تدور حينا لآخر في أرض فلسطين المقدسة. كما شارك الإخوان المسلمون السوريون في حرب فلسطين عام 1948م مع إخوانهم المصريين والأردنيين والفلسطينيين، حيث قاد الأستاذ السباعي الكتيبة السورية، وشاركوا في معركة القدس بخاصة ومعارك فلسطين بعامة، وأبلوا البلاء الحسن في الوقوف مع إخوانهم المجاهدين الفلسطينيين الذين تكالبت على حربهم دول الكفر مجتمعة لتشريدهم وإخراجهم من ديارهم ومصادرة أموالهم وهدم بيوتهم.[6]

وعلى الرغم من أن مصطفى السباعي كان ولد بمدينة حمص وترعرع بها، إلا أنه تنقّل إلى مدينة دمشق ولم يمكث فيها إلا فترة يسيرة حتى انتخب نائبا عنها في الجمعية التأسيسية عام 1949م، وهو أمر إن دل على شيء فإنه يدل على حظوته بشعبية وسط المجتمع السوري، إذ كان يُعبِّر عن آمال الشعب وآلامه، ويكفاح من أجل تحقيق العدل والمساواة والقضاء على الفقر والبؤس والشقاء، ويناصر الحق ويناقض الباطل، فأصبح صوتا قويا للشعب ضد الاحتلال الأجنبي الغاشم. هذا، وقد انتخب مصطفى السباعي نائبا لرئيس المجلس وعضوا بارزا في لجنة الدستور وكان أحد أبرز الأعضاء التسعة الذين وضعوا مسودة الدستور السوري، كما رفض المناصب العليا في الوزارات والدوائر الحكومية، وخرج إلى الشوارع احتجاجا على سياسة الاحتلال الجائرة حتى قاد بعض المظاهرات في عدة مناسبات أيضا، وخاض النقاش تحت قبة البرلمان من أجل إطاحة الطابع العلماني من الدستور وإحلال الطابع الإسلامي محله، وتمكّن نهائيا من إضفاء الطابع الإسلامي على معظم قوانينه الأساسية عام 1950م.

وهكذا، عندما عاد مصطفى السباعي إلى سوريا عمل على جبهات مختلفة، حيث بذل كل ما في وسعه في سبيل الإصلاح والقضاء على الفساد الذي تسرب في المجتمع وتربية الأمة وتثقيفها بالثقافة الإسلامية وخلق الوعي الديني والثقافي لدى الفرد والأسرة والمجتمع حتى يتحقق قيام الحكومة المسلمة التي تتبع منهج التشريع الإسلامي وتطبق أحكامه وتهتم بمصلحة البلاد والأمة وتحارب الزندقة والإلحاد والشر والفساد.

هذا، وقد انتسب مصطفى السباعي في حمص إلى جماعة “الرابطة الدينية” التي أسسها بعض العلماء – وعلى رأسهم الشيخ محمود جنيد رحمه الله – الذي اعترف بمجهودات السباعي التي بذلها في مقاومة المدارس التبشيرية ودعواتها الكاذبة. وأول عمل قام به السباعي في حمص كان “تأليف جمعية سرية لمقاومة مدارس التبشير الأجنبية التي أنشئت بمساعدة وحماية السلطات الاستعمارية الفرنسية أيام الانتداب..”[7]. كما كان يتولى بنفسه كتابة المنشورات التي تحذر الآباء والأسر من هذه المدارس، ويقوم بتوزيعها مع زملائه الأعضاء في الجمعية. وسواء أكان هذا العمل مستقلا عن “الرابطة الدينية” أم جزءا منها، فإنه من الراجح أن السباعي قام بالتحذير من هذه المدارس، وبيان مدى خطورتها على أجيال المسلمين، ولا نبالغ إذا قلنا إن هذا العمل كان فاتحة مشاركته في العمل العام أو فاتحة نزوله إلى ميدانه نظرا لمدى خطورة هذه المدارس ومدى تعويل الاستعمار الفرنسي عليها.

وبجانب آخر، قام مصطفى السباعي بردّ أعمال البدع والمنكرات والأعمال المنافية لكتاب الله وسنة رسول لله صلى الله عليه وسلم مثل المواكب والشعوذة وغيرها من الأعمال الأخرى التي ليس لها أساس من الصحة، وهذه كلها في خطبهم العديدة على منبر المسجد الجامع.

مؤلفاته: أثرى مصطفى السباعي المكتبات العربية والإسلامية بعدد لا بأس به من المؤلفات الفريدة، فقد كان له باع طويل في التأليف، حيث ألف حوالي عشرين كتابا حول موضوعات مختلفة، كما كانت له محاضراته وبحوثه ومقالاته وهي أكثر من أن تحصر. وكان من جهابذة العلماء وكبار الفقهاء الذين أخذوا الفقه الإسلامي من منابعه المعتمدة وأخذوا قضايا العصر الناشئة على محمل الجدّ وقاسوها على قوانين مستمدة من كتاب الله وسنة رسوله وما اتفق عليه السلف الصالحون.

وعلى الرغم من أنه دبّج معظم مؤلفاته في أواخر أيام حياته في الخمسينات والستينات من القرن العشرين، إلا أن هذه الفترة مع حدّة مرضه كانت من أخصب الأيام إنتاجا وأكثرها غزارة من الناحية العلمية. وكانت رسالته بعنوان: “السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي” تعتبر أول إنتاجاته العلمية حيث فرغ من إعدادها في الرابع من شهر مايو عام 1949م، وكان في ذلك الوقت عضوا في الجمعية التأسيسية (البرلمان). ولعل السبب وراء ظهور مؤلفاته العلمية في أيام حياته الأخيرة يرجع إلى كثرة مشاغله السياسية وخوضه معركة الجهاد في فلسطين، فهذه المشاغل وتلك المعركة والكفاح الوطني لم تتح له الفرصة لتأليف الكتب وكتابة المقالات، بل إنها شغلته حتى عن خاصة نفسه، حيث لم يتزوج إلا بعد أن تجاوز الخامسة والثلاثين من عمره، وفي الوقت الذي كان مراقبا عاما للإخوان، وعضوا في الجمعية التأسيسية ومحاضرا في كلية الحقوق.

ومن أهم مؤلفاته: “السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي”، و”شرح قانون الأحوال الشخصية” (جزءان)، و”من روائع حضارتنا”، و”المرأة بين الفقه والقانون”، و”هكذا علمتني الحياة” (جزءان)، و”اشتراكية الإسلام”، و”السيرة النبوية دروس وعبر”، و”الاستشراق والمستشرقون ما لهم وما عليهم”، و”التكافل الاجتماعي في الإسلام”، و”نظام السلم والحرب في الإسلام”، و”دروس في دعوة الإخوان المسلمين”، و”القلائد من فرائد الفوائد” وما إلى ذلك.

مرضه ووفاته: على الرغم من أن حياة الأستاذ مصطفى السباعي مفعمة بالحيوية والنشاطات العلمية والثقافية، إلا أنه في أواخر أيام حياته أصيب بمرض الشلل النصفي الذي استمرّ ثماني سنوات، أبلي فيها السباعي بلاء حسنا، ومع ذلك فقد تحمّل هذه المصيبة إيمانا واحتسابا، ولم يمنعه هذا المرض المزمن من أداء مهماته كداعية إلى الحق وسبيل الرشاد، وممارسة النشاطات الاجتماعية والسياسية كمصلح وقائد.

وقد لبّى الداعية المجدد والعالم المجاهد الأستاذ مصطفى السباعي نداء ربه في الثالث من شهر أكتوبر عام 1964م يوم السبت بمدينة دمشق[8]، بعدما عاش حياة حافلة بالنشاطات العلمية والثقافية والدينية والسياسية والاجتماعية، وقد شيعت جنازته في احتفال مهيب وصلي عليه في الجامع الأموي بدمشق، وتوالى الخطباء يؤبنون الفقيد بكلمات مؤثرة.

قضية الاشتراكية: إن العصر الذي نعيش فيه هو عصر الاشتراكية، وكثير من الأحزاب المنتشرة في شتى أنحاء العالم تتحمس لها، كما تدعيها العديد من الدول في العالم وتحلم بها. ونظرا لأهمية الاشتراكية التي شغلت قضيتها كثيرا من الكتاب والمؤلفين، تناول مصطفى السباعي قضيتها في كتابه “اشتراكية الإسلام”، مما أثار جدلا كبيرا فيما بين العلماء والكتاب العرب وغير العرب.

وكتابه هذا أي “اشتراكية الإسلام” كان في الواقع محاضرات ألقاها مصطفى السباعي على طلاب كلية الشريعة خلال تدريسه في جامعة دمشق، ثم جُمعت في كتاب في وقت لاحق. وقد طبع منه مئات الآلاف من النسخ في ذلك الوقت، ووزعت على القوات المسلحة والأوساط المختلفة. وقد عالج مصطفى السباعي في كتابه هذا الأوضاع البشرية على ضوء الكتاب والسنة بعقلية العالم المجتهد الذي حاول استنباط الحل من مصادر الشريعة الإسلامية دون تعصب لأي مذهب بعينه.[9]

وقد اختار مصطفى السباعي لكتابه عنوان “اشتراكية الإسلام” استقطابا لأذهان الجيل الذي زينت له الاشتراكية وباتت في نظره هي الحلم السعيد، فكل حديث عن عدالة الإسلام وتفوقه على المحاولات البشرية، لا بد أن يجد أذنا مصغية إذا حمل إشارة إلى ذلك الإطار السحري. فبناء على ذلك، وضع له السباعي عنوانا جذابا يلفت انتباه القراء لما فيه من غرابة.[10]

لقد حاول مصطفى السباعي إبراز حقيقة الاشتراكية التي تدعو إليها الدول الأوربية، وتصحيح عقائد أكثر مفكري العالم الذين ينتصرون لها ويرون أن الاشتراكية هي الطريق الوحيد للخلاص مما يعانيه الجنس البشري من اضطراب اقتصادي وشقاء اجتماعي. عرّف مصطفى السباعي الاشتراكية بأنها:

“متعددة المذاهب من متطرفة إلى أقصى اليسار كالشيوعية، ومن معتدلة ومن قريبة إلى اليمين. وإنها جميعا تشترك في الإيمان بوجوب إشراف الدولة على استثمار المال في المجتمع، وتحقيق التكافل الاجتماعي لجميع أبنائه، حتى يتسنى لهم الاشتراك في حياة تضمن فيها كرامة الإنسان، واطمئنانه إلى حاضره ومستقبله”[11].

هذا، وقد أبرز مصطفى السباعي أيضا موقف الإسلام من الاشتراكية، وأكد أنه يوجد هنا اشتراكية في الإسلام، وليس الأمر كما يعتقد بعض الأشخاص أن الإسلام ليس له صلة بالتفكير الاشتراكي، فهذا اعتقاد خاطىء، لأن الإسلام قد أكد الملكية الشخصية وأعطى الحقوق في الإرث وغيره من الملكيات الأخرى. بل الإسلام هو الدين الذي نلمس فيه النزعة الاشتراكية واضحة تماما، ونزعته الاشتراكية تتميز عن غيرها من النزعات الاشتراكية الأخرى التي توجد عبر العالم في مبادئها وأحكامها. لأن الأمة الإسلامية لها تشريعها الخاص الذي يشمل كافة البشر على مستوى العالم، كما لها حضارتها الرائعة التي سادت العالم وأضاءت الطريق له لمدة تزيد عشرة قرون.

وبما أن الاشتراكية تتعلق بمشكلة الفقر والجوع والحرمان التي لا تزال تعدّ من أهم مشاكل الحياة منذ العصور الموغلة في القدم، فقد كانت دعوة الأنبياء والرسل والمصلحين في أزمنة مختلفة تتمثل في تحقيق العدل والمساواة في المجتمع وإزالة الفقر والظلم الاجتماعي من الطبقات الكادحة فيه. وهكذا، يفيدنا التاريخ أنه نشأت هناك في أوربا في العصور الأخيرة الحركات العديدة؛ الفكرية منها والسياسية، لمكافحة الفقر والظلم الاجتماعي وتحقيق العدالة الاجتماعية، وكانت الاشتراكية قد تمثلت في هذه الأحزاب الفكرية والسياسية.

يقول الأستاذ السباعي:

“وشهدت أوربا في القرن التاسع عشر والقرن الحاضر حركات فكرية وسياسية متعددة تتوخى لها معالجة التفاوت الاجتماعي في بلادها ومسح جراح الجماهير التي كانت تكتوي بجحيم الظلم الاجتماعي ونار الحرمان والمهانة والضياع، وكتب لبعض هذه الحركات النجاح في إقامة دولة تحكم الشعب بمنهاجها الذي آمنت به، كما كتب لبعض الحركات الأخرى أن تنجح في حمل كثير من حكومات العالم على سن القوانين لإنصاف البائسين والعمال والفلاحين وغيرهم من ذوي الدخل المحدود وكبح جماح ذوي الثروات الواسعة والأراضي الشاسعة وإشراف الدولة على رأس المال ووسائل الإنتاج”[12].

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل نجحت هذه الحركات على اختلاف مذاهبها في تحقيق العدالة الاجتماعية والقضاء على الفقر والمهانة والظلم الاجتماعي؟ والجواب يكمن في الرحلات التي قام بها السباعي إلى الكثير من البلدان الأوربية حيث أتيح له فيها أن يتعرف على حقيقة الحياة الاجتماعية في العالم الغربي والعالم الشيوعي. ولذلك إنه خالط مختلف الطبقات، وكان حريصا على أن يستفيد من كل ما يرى ويسمع، وأن ينظر إلى الأمور نظرة باحث منصف، ومع أنه أعجب بكثير من مظاهر الحياة في أوربا الغربية وفي العالم الشيوعي، فإن الذي اقتنع به هو أن الحضارة الغربية بقسميها الرأسمالي والشيوعي حين أهملت الروح في بناء أسسها الحضارية، أفقدت الإنسان مناعة كبرى ضدّ القلق والاضطراب.

وبجانب آخر، عرّف الأستاذ السباعي اشتراكية الإسلام بأنها القوانين والأحكام التي جاءت في الإسلام لتنظيم التملك وتحقيق التكافل الاجتماعي، مع أنه ينكر الكثير من الناس هذه التسمية، لأن الاشتراكية في رأيهم هي موضة هذا العصر التي لا تليق بالإسلام، أو لأنهم يقولون هذا تشويها لسمعة الإسلام، فإن مصلحتهم الحزبية تؤكد أن الشيوعية وحدها هي الاشتراكية الصحيحة، وما عداها فهو باطل.

وقد عبر عن هذه الفكرة الأستاذ السباعي:

“لقد سميت القوانين والأحكام التي جاءت في الإسلام لتنظيم التملك وتحقيق التكافل الاجتماعي “باشتراكية الإسلام”، وأنا أعلم أن بعض الغيورين على الإسلام يكرهون هذه التسمية، لأن الاشتراكية في رأيهم هي “موضة” هذا العصر فلا يصح أن نبادر إلى القول بالاشتراكية الإسلامية… ومن الناس من ينكر أن تكون في الإسلام أية نزعة اشتراكية يقول بعضهم هذا تشويها لسمعة الإسلام وصدا عنه، كالشيوعيين فإن مصلحتهم الحزبية تحتم عليهم أن يؤكدوا في الأذهان أن الشيوعية وحدها هي الاشتراكية العلمية الصحيحة، وما عداها فزيف وباطل، ويقوله بعضهم ظنا منهم أن الإسلام دين رأسمالي، وهؤلاء هم الجاهلون بالإسلام مع حبهم له”[13].

لقد عرض مصطفى السباعي التشريع الإسلامي خلال حديثه عن اشتراكية الإسلام الذي جاء لتحقيق ذلك الهدف، لأن التشريع الإسلامي يشمل كافة مجالات الحياة الإنسانية، ويقدم الحلول الناجحة لمشاكل الحياة التي يعاني منها المجتمع البشري. وعلاوة على ذلك، يمكن تطبيق هذا التشريع الإسلامي في الأحكام الفقهية نظريا، وفي تاريخ الحكم الإسلامي في مختلف عصوره عمليا. وعلى هذا، فقد أطلق السباعي اسم اشتراكية الإسلام على هذا التشريع الإسلامي، لأن الناس يحبون هذا الاسم ويعتبرونه أملهم الوحيد في النجاة من الشقاء والبؤس، والخلاص من الأوضاع المتدهورة للاقتصاد والاجتماع، إلا أنه قال إنه يجوز لشخص ما أن يسميه بما يشاء من التكافل الاجتماعي أو العدالة الاجتماعية وما إلى ذلك.

وأوضح مصطفى السباعي فوائد اشتراكية الإسلام أو نظام الإسلام الاجتماعي حيث إنه يحقق التقدم والرخاء ويقدم حلولا للأزمات الاقتصادية والمشاكل الاجتماعية والسياسية، ويجلب السعادة في حياتنا اليومية، مع الحفاظ على أهم عناصر الحياة في كل مجتمع.

يقول الأستاذ السباعي:

“إن اشتراكية الإسلام لو طبقت في مجتمعنا لاستفاد منها جميع المواطنين من مسلمين ومسيحيين، لأنها وضعت ليستفيد منها كل مواطن، فليس الأخذ بها انتصارا لدين على دين، ولا افتئاتا من المسلمين على المسيحيين، إنها ثروة تشريعية رائعة لو أشرفت على تطبيقها عقول مرنة نيرة لكان لنا منها أروع نظام يستهوي القلوب والأنظار، فمن الخطأ الكبير تجاهلها في نهضتنا الحاضرة”[14].

كما أكد السباعي على ضرورة الاستفادة من اشتراكية الإسلام، لأنها تشمل المبادئ والقوانين المتينة التي تصلح لإقامة مجتمع اشتراكي في الدول العالمية، وتُحرّر الأمة المسلمة من التبعية الفكرية والفقر والجهل والذل والمهانة والشقاء والظلم الاجتماعي وما إلى ذلك من عوامل الشقاء الأخرى التي تمسّ شرف الإنسان وكرامته.

يقول الأستاذ السباعي في كتابه “اشتراكية الإسلام”:

“وفي الاستفادة من اشتراكية الإسلام إثبات لشخصيتنا المستقلة، وتحرير لأمتنا من التبعية الفكرية والسياسية لأية دولة من دول العالم، وتحصين قوي من الغزو الفكري الذي يجب أن تبذل الجهود الصادقة لوقاية جماهيرنا من أخطاره. وفيها أيضا أقوى رد على تلك المحاولات التي تبذل لربطنا بعجلة جديدة بعد أن بدأنا نجمع قوانا المبعثرة، ونسلك الطريق الصحيح للوحدة الكاملة والسيادة التامة على أرضنا ومقدراتنا”[15].

نهاية المطاف: في ضوء مامربنا في السطور السابقة يحلو لى أن أقول إن مصطفى السباعي كان قائد جيل ورائد أمة، إنه اهتم بشؤون الدين والدولة في مؤلفاته ومقالاته ومحاضراته التي ألقاها في مناسبات مختلفة، وخاض معركة عنيفة ضد الجيش الإسرئيلي في القدس، وقام بمكافحة قوات الاحتلال في سوريا ومصر وغيرها من البلدان الأخرى من خلال كتابة المنشورات وإلقاء المحاضرات والمواعظ، وتعريف الأمة العربية بدسائسها ونواياها الخبيثة. كما قام بتفنيد مختلف النزعات والآراء الهدامة الباطلة التي تطغى على روح الإنسان، وتصدى لاشتراكية الغرب حيث حاول إبراز نقائصها وعيوبها من خلال تقديم الأدلة وذكر الأوضاع المتدهورة التي يعيشها المجتمع الاشتراكي في الدول الغربية. ومن جانب آخر، حاول مصطفى السباعي أيضا إبراز خصائص الإسلام الذي يضمن التكافل الاجتماعي والمساواة للفرد والمجتمع، وأثبت من خلال فكره العميق وبُعد نظره أن اشتراكية الإسلام أفضل من اشتراكية الغرب.

المصادر والمراجع

  • الجبوري، كامل سلمان، معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002م، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 2003م، ج6.
  • زرزور، عدنان محمد، مصطفى السباعي الداعية المجدد، (دمشق: دار القلم، ط1، 2000م).
  • السباعي، مصطفى، اشتراكية الإسلام، (دمشق: الدار القومية للطباعة والنشر، 1960م).
  • العقيل، المستشار عبد الله، من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، (لا.م: دار البشير، ط8، 2008م).
  • المجذوب، محمد، علماء ومفكرون عرفتهم، (القاهرة: دار الشواف، ط4، 1992م)، ج1.
  • محمد بسام الأسطواني، مجلة حضارة الإسلام، دمشق، 1384هـ، العدد الرابع.

[1] الجبوري، كامل سلمان، معجم الأدباء من العصر الجاهلي حتى سنة 2002م، (بيروت: دار الكتب العلمية، ط1، 2003م،ج6، ص: 229.

[2] زرزور، عدنان محمد، مصطفى السباعي الداعية المجدد، (دمشق: دار القلم، ط1، 2000م)، ص: 86.

[3] محمد بسام الأسطواني، مجلة حضارة الإسلام، دمشق، 1384هـ، العدد الرابع، ص: 126.

[4] المرجع نفسه، ص: 132.

[5] العقيل، المستشار عبد الله، من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، (لا.م: دار البشير، ط8، 2008م)، ص: 1152.

[6] المرجع نفسه، ص: 1154.

[7]مجلة حضارة الإسلام،دمشق، 1384هـ، العدد الخاص بالسباعي، الأعداد 4-6، ص: 132.

[8] جرار، حسني أدهم، الدكتور مصطفى السباعي قائد جيل ورائد أمة، (عمان: دار البشير، ط1، 1994م)، ص: 175.

[9] المرجع نفسه، ص: 148.

[10] المجذوب، محمد، علماء ومفكرون عرفتهم، (القاهرة: دار الشواف، ط4، 1992م)، ج1، ص: 406.

[11] السباعي، مصطفى، اشتراكية الإسلام، (دمشق: الدار القومية للطباعة والنشر، 1960م)، ص: 15.

[12] المرجع نفسه، ص: 4.

[13] المرجع نفسه، ص: 6.

[14] المرجع نفسه، ص: 12.

[15] المرجع نفسه، ص: 13.