صمود المسلمين الهنود ودور الشيخ المولانا محب الله لاري الندوي في مواجهة الاستعمار
الدكتورقاضي عبدالرشيد الندوي المقيم في الدوحة دولة قطر Abstract:This article sheds light on the struggles faced by Indian Muslims during the independence movement against colonial oppression. It explores the challenges and resistance efforts undertaken by the Muslims in India, focusing on the period of British colonial rule. The role of Sheikh Maulana… View Article
الدكتورقاضي عبدالرشيد الندوي
المقيم في الدوحة دولة قطر
المدخل: في مرحلة الوسط لحركة استقلال الهندعندما تعرض المسلمون الهنود لأنواع من الإضطهادوالجورمن قبل الاحتلال الإنكليزي لشبه القارة الهندية،وكانت تحاك ضدهم المؤامرات من قبل الاحتلال وأذنابه بهدف دفعهم إلى الصفوف الخلفية وإخراجهم من الساحة،وإبعادهم وحرمانهم من كل إمكانيات الحياة العلمية والعملية وكان ذلك الحرمان يشمل المجالات العلمية والاقتصادية والثقافية والسياسية وغيرهامن مجالات الحياة وكان كل ذلك يدارعلى جميع الأصعدة والمستويات وكان المسلمون يحاربون من كل ناحية.إن هذاالمشروع الاستعماري الإنكليزي الذي كان يستهدف المسلمين كان قد حمل في طياته خلفيات تاريخية للذاكرة الصليبية حيث أن الاحتلال كان يرى في المسلمين عدوا لدودا ومعارضا حقيقيا وخطرا محدقا لسطوتهم وقوتهم ودوام بقاءاستعمارهم في عموم شبه القارة الهندية والسبب كان واضحا بكونهم سلبوالحكم من المسلمين وتآمروا حتى قاموا بإزالة دولتهم،كما أن المسلمين كانواعلى الواجهة وظلوامقابلامباشرالإدراة حركة المقاومة وإبقاءالمقاومة والنضال المستمرضدالإستعمارطوال فترة حركةالاستقلال،وكانواوراءإذكاءشعلة المقاومة والمؤسسون الاساسيون والرئيسيون لحركة الاستقلال . و بذلك فكان الاستعمار يشعرفيهم خطراداهما ضدقوته ومخططاته على جميع الأصعدة والمستويات .
وهذه هي الخلفية لهذاالموضوع نفسيا وتاريخيا بأن الاستعمار كان يرى في المسلمين أكبرمعارض وأخطرقوة تشكل له التحدي المباشروالعائق الواضح لأحلامه الإستعمارية على جميع الأصعدة والمستويات في شبه القارة الهندية وعلى مستوى العالم الاسلامي وكان يتذوق مرارات المقاومة الضارية التي كان يتلقاها في الهند ، في تركيا وفي غيرها من بقاع العالم الإسلامي ولم تمح عن ذاكرته التاريخية الهزائم الصليبية التي تعرض لها بيد السلطان صلاح الدين الأيوبي فهذه النفسية للخوف والهزيمة ما زالت تعمل عملها وتثير فيهم الدهشة والخوف وتحثهم على محاربة المسلمين على مستوى العالم العربي والإسلامي . حيث أن الماضي العريق والإنجازات التاريخية الوضاءة للمسلمين في مجالات العلم والعمل والسياسة والثقافة والبناء والتطوروالإبداع والتنويروالعلوم وغيرها ما زالت تقض مضجعهم وتشكل لهم حلما مخيفا.وبالتالي فإن الاستعمار قد خطط ودبرلإضعاف المسلمين وإلحاقهم الهزائم حتى نجح في إزالة الخلافة الاسلامية في تركيا وكانت ضربة موجعة لقوة المسلمين وبالتالي سهلت مهمته لمحاربة المسلمين على مستوى شبه القارة الهندية.وقداتخذ الاستعمارفكرة ” فرق تسد ” طريقة للسلوك ومنهجا للتآمرحتى نجح في استغلال القبائل العربية ضد الخلافة حيث أنهم زعموا الذئب صديقالهم والفهدوالنمرمنقذاومنجيالهم وبالتالي فإن الذئاب والفهودوالنمورالصليبية والصهيونية مازالواينهشونهم ويقسمونهم ويعملون على تقسيم المقسم وتجزئة المجزّاء ونشاهد ذلك بأم أعيننا يوميا على مستوى الدول العربية والإسلامية سواء كان ذلك في العراق أو في سوريا في فلسطين ، في لبنان ، في مصر، في ليبيا أوفي غيرها من بقاع العالم الإسلامي .
وقد نعى المسلمون في شبه القارة الهندية زوال الخلافة وشاركهم غاندي هذاالنعي .
إن زوال قوة المسلمين في شبه القارة الهندية وأفول شمس دولتهم وذبول سطوتهم ثم زوال الخلافة كانتا ضربتين كارثيتين للأمة الاسلامية كسرت ظهرها وجعلتها في مصاف الأمم ومن ضمن الأقوام المنهزمة المتخلفة نفسيا وسياسيا وثقافيا واجتماعيا وهي كارثة وخسارة قد لا تعوض والأمة مازالت وما نعرف الى متى ستظل تدفع أثمانه غاليا في شتى بقاع العالم .
وفي هذاالوضع الكارثي لشبه القارة الهندية عندماكان الاستعمار الإنكليزي يقتل علماء المسلمين ورموزهم وقادتهم وينّكل بالشخصيات البارزة التي كانت تقودحركة التحرير، كان ينّكل بهم ويعلق جثامينهم الطاهرة على أشجارالشوارع العامة ليجعلهم عبرة ويقذف الرعب والفزع في قلوب المقاومين وقد شهد المؤرخون وشهودعيان لهذه الفترة بأن الاستعمارالإنكليزي قد علق جثامين العلماء الشهداء على اشجارالشوارع العامة بداية من دلهي وصولا الى بنارس.ففي هذه الظروف العصيبة والأوضاع الحرجة بدأالعلماءوقادةالمسلمين يفكرون في طرق وأساليب إنهاض الأمة ورفعها على المستويات العلمية والفكرية وأضحو يبحثون عن إمكانيات بقاءالأجيال القادمة متمسكة بدينها وثقافتهاوحضارتهاوهويتها حتى تبقى مرتبطة بماضيها العريق ومتصلة بإنجازاتها الوضاءةومفتخرة بأسلافها ومتمسكة بدعوتها للأمربالمعروف والنهي عن المنكروتكون مواصلة في استمرارية تقديم رسالتها التي هي منقذة للبشرية من الزوال والفناء خلقيا وإنسانيا . وكان الأسلوب المناسب والطريقة الأنسب التي اتضحت لهم بأن يوجدواخلايادعوية ومكاتب ومدارس اسلامية لتدريس وتثقيف الأجيال المسلمة القادمة التي ستضمن بقاء الأمة على دينها وهويتها وبالتالي فقد قامت المدارس الإسلامية الكبيرة أمثال دارالعلوم بديوبند ، دارالعلوم لندوة العلماء، جامعة عليكراه، والجامعة الملية الاسلامية وغيرهامن المكاتب والمدارس والجامعات التي بدأت تعلم أولاد المسلمين وتربّيها وتثّقفها .
وقد اتخذت دارالعلوم لندوة العلماء منذ أولى أيام نشأتها منهجا للتمسك بكل قديم صالح والاستفادة من كل جديد نافع حتى يتشكل منهجا شموليا ينفع جميع فئات الأمة ويجمع شملهم ويلم تشتتهم وكان الهدف الأساسي والهام من وراءهذاالمنهج الشمولي الصالح لكل زمان ومكان لدارالعلوم لندوة العلماءهوأن يردم الهوة والشقة التي كانت توجد بين الطبقة المثقفة تثقيفا حديثا والطبقة الدارسة للعلوم الاسلامية من العلماء والفقهاءوالزهادوالصوفية وأهل الزوايا فكانوا يرون غيرما يراه المثقفون الدارسون من الكليات والجامعات الانكليزية الحديثة والتي كانت تحمل علم الحداثة ( كما ادّعو) بتعلم العلوم الحديثة والفنون الجميلة.فكان هذاالخلاف وهذه الشقة والهوة تضّرجمع المسلمين وتشتت وحدتهم و بالتالي كانت ضارة لتحقيق أهدافهم القريبة وبعيدة المدى كأمة . كما أن الإستعمار كان يراقب عن كثب هذا الوضع وكان يخطط مشروعه ويدبرمؤامراته باستغلال هذاالوضع وكان يعمل لأجل إيجاد المزيد من الفرقة والخلاف لأجل تمزيق صفوف المسلمين . من هنا فقد فطن مؤسسوادارالعلوم لندوة العلماء الى هذا الوضع الكارثي للأمة وبدؤا يعملون بتخطيط وذكاء لإنجازهدف الوحدة والوفاق لهذه الفئات فقدأنشاؤ ندوة للعلماء أولا ثم دارالعلوم التابعة لها والذي سيكون ضامنا لإستمرارية رسالتهم ومن ثم عملواعلى تشكيل منهج دراسي تضم الجديدالنافع والقديم الصالح كماتم تهيئة وتدبيرجماعة من كبارالعلماءوالمفكرين المتنورين اصحاب العلم العميق للدين والدنيا ،وعارفين لأوضاع زمانهم ،وكذلك المدرسين أصحاب الخبرة الطويلة . وكان على رأسهم العلامة المحقق والمؤرخ الكبيرالشيخ شبلي النعماني، والشيخ المولانا السيد محمد علي المونكيري، والشيخ السيد عبدالحي الحسني صاحب كتاب ” الإعلام بمن في تاريخ الهند من الأعلام ” والد العلامة الشيخ السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي، والشيخ المنشي أطهرحسين الكاكوروي، والشيخ المولانا حبيب الرحمان خان الشيرواني وغيرهم من العلماء الأجلاء،ويذكر بأن الشيخ المولوي عبدالغفوركان وراء تقديم وطرح هذه الفكرة في بداية الأمرحتى تقدم بها الشيخ محمد علي المونكيري رحمهم الله جميعا .
في خضم هذه الحركة لاستقلال الهند وفي مثل هذه الظروف الأمنية المتدهورة على جميع المستويات عندما كان المسلمون يخططون ويبذلون مساعيهم لإنشاء ندوة العلماء وغيرها من المكاتب والمدارس الاسلامية كانت هناك شقة وبعد وسوء تفاهم وخلافات فكرية لرؤية النظربين مختلف طبقات وفئات المسلمين . وهذه الهوة العميقة كانت تشكل تحديا في اتخاذ مواقف ذات رؤية موحدة وموفقة بينهم تجاه الموضوعات والقضايا والمشاكل الأساسية التي كانت تهدد مصيرالمسلمين في شبه القارة الهندية وبالتالي مستقبلهم وبالطبع فمثل هذه الأموركانت تضعف قوة المسلمين وتذهب ريحهم . إن هذه الطبقة لعلماء المسلمين عندما كان يرى رؤيته وكان يتخذ مواقف ورؤى تجاه قضايا ومشاكل المسلمين فكانت الطبقة المثقفة تثقيفا حديثا والدارس لدراسة العلوم الحديثة كان يرى غيرذلك وكان يتخذ مواقف مختلفة ومغايرة تماما وكان السيرسيد أحمد خان صاحب جامعة علي كراه على رأس هذه الطبقة المتنورة رغم أن كلا الجماعتين كانتا تخلصان النية لإصلاح المسلمين وترقيتهم وتقدمهم على مستوى شبه القارة الهندية ولكن كلا الجماعتين كانتا تتخذان موقفا مغايرا للآخر .
وهذه هي المشكلة العويصة التي جعلت مؤسسي حركة ندوة العلماء أن يفكروافي الموضوع وأن يدركواهذاالوضع الخطيرويشعروا بالأخطارالمحدقة التي ستنتج عنها وبالتالي أحسوا بمسؤولية احتواء هذا الوضع .
وقد ذكرت هذه النقاط بوضوح في ميثاق أهداف حركة ندوة العلماء التي كانت تهدف الى ردم الهوة وإيجاد وسائل التقرب بين المختلفين وإيصالهم الى جو الوحدة والوفاق حتى تواصل قطارالتطوروالتقدم و النماء للمسلمين مسيرتها في جو من الإخاء والمودة ببحث امكانيات وطرق وسبل للتنمية والتقدم لبقاءالأمة.ومن ضمن الاهداف والمقاصد التي ذكرت بوضوح لهذه الحركةكانت تقول:
1″ بأن نقوم بالقضاء على الخلافات بين جميع فئات وطبقات المسلمين في شبه القارة الهندية وفي العالم الاسلامي لكي توجه جهة الأمة الى الوجهة الجديدة المستقيمة الصحيحة باشتراك ومشاركة جميع فئات الأمة الفكرية والقيادية وكذلك القوى البارزة فيها” .
2 ” توفيرالمنهج التعليمي الذي يناسب تغيرات العصرويواجه التحديات التي تواجهها الأمة ، ويقوم بإعداد أجيال تكون قابلة لمواجهة ظروف الزمان والمكان وجديرة بأن تؤدي وظائفها في مختلف مجالات الحياة وعلى جميع المستويات ” .
وكان الأمرجليا وواضحا دون شك أوريب بأن هذه الأهداف المذكورة كانت تصب في صالح جميع فئات الأمة وطبقات المسلمين لذلك استقبلوها بحفاوة وراؤ فيها خيرا و شعروها مبّشرة على جميع المستويات حتى السيرسيدأحمدخان،نواب محسن الملك،والقادة والزعماء الآخرين أعجبوا بها وراؤها بنظرة استحسان وإعجاب.
وقد قام العلامة شبلي النعماني بمزيد من تقويتها وإثرائها في عام 1904 م عندما التحق بحركة ندوة العلماءوأصبح يسخّركل قواته لأجل تطويرهاوتنميتها. إن العلماء والفقهاء والمفكرين والمؤرخين والمثقفين والأدباءوأصحاب الفكروالنظروالرأي الذين أوجدهم دارالعلوم لندوة العلماء بعد قيامه هم أدو خدمات جليلة في شتى ميادين القيادة والسيادة وفي خدمة العلم والفكروالدعوة وقدموانماذج مشرقة ورائعة أمام العالم.
ومن ضمن الأسماء الكبيرة التي ولّدتها حركة ندوة العلماء ياتي اسم الشيخ المولانا محب الله لاري الندوي “عليغ” ( أي خريج جامعة عليكره الاسلامية ) والذي تبوأ مكانة خاصة من بين أبناء ندوة العلماء وعرف بشخصيته الفريدة الخاصة بين أقرانه وأحبابه من العلماء .
وقد بدأ الشيخ المولانا محب الله لاري الندوي تعليمه البدائي في مسقط رأسه “لار” في ولاية أتربراديش ثم انتقل الى لكنؤ بجامعة ندوة العلماء لمزيد من الدراسة حتى كمل تعليمه ودراسته بامتيازحيث كان متفوقا ومتميزا بين أقرانه خلال مدة دراسته وقد توجه الى جامعة علي كراه الاسلامية بعد تخرجه من دارالعلوم لندوة العلماء للإستزادة ولإكمال دراسته العالية والتحلي بحلية العلوم الحديثة حتى أخذ الماجستيروبهذاجمع الشيخ بين العلوم الاسلامية والعلوم الحديثة وبين العلوم العقلية والنقلية ببراعة وتفوق وامتياز.
وقد كمل الشيخ شهادته للماجستيرمن جامعة علي كراه الاسلامية في عام 1936 م في علم السياسة بتفوق وامتياز.كما أن الشيخ محب الله لاري الندوي كان ملما باللغات الأردية والعربية والإنكليزية والهندية والفارسية وكان بارعا في هذه اللغات الى جانب براعته والمامه بالعلوم الدينية والعصرية،كما أن نظرته كانت عميقة وثقافته كانت واسعة لظروف عصره والمتغيرات التي كانت تحدث في شتى أنحاء العالم عامة وفي العالم الاسلامي خاصة.وقد رأينا الشيخ بأم أعيننا خلال فترة دراستنا بدارالعلوم لندوة العلماء بأن الجرائد الإنكليزية كانت ترد اليه في بيته ومكتبه يوميا وهو يقرأها ويطالعها باهتمام الى جانب الجرائد الأردية والهندية . أما الجرائد والمجلات العربية فكانت تاتيه بوفرة وكثرة في مكتبه ومكاتب ندوة العلماء الأخرى من جميع الدول العربية والاسلامية وبهذا كان على علم بكل ما يدورحوله في الهندوفي العالم وفي العالم العربي والاسلامي فهذه الأسباب كانت تزيد من بعد نظره وتوسيع آفاقه العلمية والفكرية والسياسية والثقافية .
وقد قام بطلب من صديقه المقرب وزميله في الدرس الشيخ المولانا رئيس أحمد جعفري الندوي بترجمة كتاب ضخم ومعروف بعنوان ” النظم الاسلامية ” لحسن ابراهيم حسن وأخاه علي ابراهيم حسن وكانت ترجمة رائعة وترجمة خبيريشعرالقارئ بأنه تأليف وليست ترجمة وقد أثنى عليه وعلى براعته الشيخ رئيس عند طباعة الكتاب ونشره .
إن الشيخ المولانا محب الله لاري الندوي كان من ابناء ندوة العلماء المميزين وكانت من زملائه ورفقائه في الدرس شخصيات علمية ودينية ودعوية وفكرية كبيرة نالت صيتا كبيراوشهرة واسعة على مستوى العالم في المجالات العلمية والدينية والدعوية والسياسية والثقافية والبحث والتحقيق وكانوا من العلماء والدعاة والمعلمين والمصنفين والمؤرخين الذين تركوا بصمات واضحة في مجالات العلم والفكروالدعوةوالثقافة والتاريخ وغيرها.ومن ضمنهم يمكن ذكر بعض الأسماء كمثال وليس حصراأمثال الشيخ العلامة السيد ابوالحسن علي الحسني الندوي الرئيس العام لندوة العلماء الأسبق، والشيخ مسعودعالم الندوي،والشيخ المولانامحمدعمران خان الندوي الأزهري رئيس ندوة العلماء ومؤسس جامعة تاج المساجد بوفال، الشيخ ابوالليث اصلاحي الندوي أميرالجماعة الاسلامية الأسبق لعموم الهند،الشيخ قدوس هاشمي، الشيخ المولانا محمد ناظم الندوي، الشيخ عبدالسلام قدوائي الندوي، الشيخ رئيس أحمد جعفري الندوي، والشيخ محمد أويس نغرامي الندوي،وغيرهم من العلماء الكباررحمهم الله جميعا.الى جانب مصاحبته ومرافقته وزمالته لهذه الكوكبة العظيمة التاريخية من العلماء كان الشيخ محب الله تميزبنفسه بين أقرانه وزملائه في الدراسة والثقافة وتنظيم أموره تنظيما خاصا ومتميزا .
وكانت للشيخ ميزات وخصوصيات شهدعليهاالعلامة الشيخ السيد ابوالحسن علي الحسني الندوي لذوقه العلمي العالي، وشغفه للمطالعة ،وإخلاصه وتفانيه،تقواه وخشيته من الله في السراءوالضراء، وانهماكه وانشغاله لأموره مع روح من الإيثاروالتفاني حيث عرفه عن قرب بمصاحبته ومزاملته.كما أن رئاسة شؤون ندوة العلماء كانت تعرف عن هذه الميزات القيّمة لشخصه وتوقّره لذلك تم ترشيحه لعضوية لجنة إدارة شؤون دارالعلوم لندوة العلماء والتي بقي عضوا لهاطول حياته.ورؤيةالى ميزاته وخصوصياته وتفوقه في أمورالإدارة والتنظيم واهتمامه الخاص بكل ما يتولى مسؤوليته عرض عليه منصب مديرا لدارالعلوم ندوة العلماء وكانت مسؤولية ضخمة تتطلب جهودا مستمرة وتفاني دائم وقد حاول الشيخ أن يعتذرويعفى عنه ولكن اللجنة قررت ولم تقبل اعتذاره حتى تولى المسؤولية وأدى حقه طول عمره وأخلص له وضحى بكل ماكان يملك من قدرات علمية وصلاحيات تنظيمية وامكانيات فكرية لأجل تحقيق أهداف ندوة العلماءوتطويرها وتنميتها وترقيتها في جميع الميادين وعلى جميع المستويات ولماذا لايكون ذلك وهو من أبناء ندوة العلماء الخلّص وقد بقي يتحمل هذه المسؤولية ويعمل لأجله ويؤدي حقه كرئيس لندوة العلماء لمدة 24 سنة الى أن توفاه الله . وتعتبر هذه الفترة من الفترات الذهبية في مسيرة طويلة التي تتجاوزالقرن ونصف القرن لجامعة دارالعلوم لندوة العلماء من حيث الترتيب والتنظيم والأمن والجو العلمي الخالص المتميز.
وهذه الفترة التي لم تمض على مروره أكثر من ثلاثة عقود من الزمان كانت فترة رائعة ذكرياته محفورة في ذاكرتنا وفي ذاكرة طلابه عندما كان الشيخ محب الله رئيسا لندوة العلماء،والشيخ العلامة السيد أبوالحسن علي الحسني الندوي كان الرئيس الأعلى والرئيس العام لندوة العلماءوكانتا هاتين الشخصيتين العظيمتين الرائعتين تقودان هذاالصرح العلمي الاسلامي المعروف عبرالعالم الى جانب مساعديهم أمثال الشيخ الدكتورسعيد الرحمن الأعظمي الندوي المديرالحالي لدارالعلوم، والشيخ العلامة السيد محمد الرابع الحسني الندوي رحمه الله رئيس ندوة العلماءالسابق،والشيخ محمدواضح رشيد الحسني الندوي وغيرهم من المشائخ والأساتذة والعلماء الأجلاء.
وكانت رحلة الشيخ ووفاته فاجعة لأبناء ندوةالعلماء وطلابه ولجنة ادارته حيث أنه كان يشكل سقفا مشفقا مريحا يحتضن أبنائه وأهله بكل ما يصلح ويفيدلهم وكان يفكردائما في كل ما ينفعهم في المجالات العلمية والدينية والدعوية وكان يثيرالشغف وشوق المطالعة والسهر للدراسة وتنمية الآفاق العلمية والفكرية والثقافية للطلاب،كما أن التزامه الشديد بالموروثات الدينية واهتمامه المتواصل لإلزام الطلاب بالإلتزام الدائم بالصلوات وغيرها من الامور التي تربي الطلاب على الإلتزام الديني الدائم كان موضع اعتزاز.وكان لايقبل التهاون والتساهل من الطلاب حيث جعل له عادة للمرورعلى الوحدات السكنية المختلفة بعد صلاة الفجرليرى اهتمام الطلاب بالصلوات وكان لا يتهاون في أي خطوة يرى فيها تربية للطلاب.
وإذا رأينا الى المستوى الإداري للجامعة في زمانه وفترة ادارته فنجد أن كل الإدارات التابعة للجامعة تشتغل شغلها وتعمل عملها بسلاسة وهدؤوبنظم منسق ودقيق دون أن يحدث أي خلل أوأي إشكال في أعمال وأنشطة أي إدارة أوأي خلاف بين أعمال الإدارات المختلفة المتعددة . ونحن خلال فترة دراستنا لمدة سبع سنوات من عام 1984م الى عام 1990 م لم نشاهد أي خلاف ولو بشكل بسيط لأي ادارة تعمل داخل رحاب دارالعلوم التابعة لندوة العلماء وكان المشاهد لايشعربأن هذه الجامعة المؤقرة تضم هذاالعدد الكبيرللطلاب والمدرسين وعددا كبيرا من الموظفين الآخرين الذين كلهم كانوا يسكنون داخل حرم الجامعة وكل ذلك كان من ميزات الرئيس بأنه يضمهم جميعا ويهتم بهم جميعاويراعيهم في جميع أمورهم ويحل إشكالياتهم ويهتم بمشاكلهم.
وكانت له طبيعة خاصة ومزاج مميزلإخلاصه وتفانيه وكان شديد الإلتزام بخلقه الاسلامية العالية وأسسه العلمية والنظامية .كما أنه كان لايتحمل التهاون في نفسه كذلك ما كان يتحمل التقصيروالتهاون من الآخرين في الأمور التنظيمية في كل الإدارات وعلى جميع المستويات . المراقبة الذكية والنظرة الدقيقة لكل الأنشطة والإدارات كانت من أهم ميزاته التي جعلته يسيطرسيطرة كاملة على النظم العام وبالتالي أدى الى تطويروتنمية وتقوية جميع الإدارات وايصالها الى قمة التطورفي شؤون التعليم والتدريس والنظم العام .
الفهم الدقيق لكل مرحلة ، والشعور الخاص لإدارة الشؤون ، والنظرة البعيدة الثاقبة في الشؤون الادارية ميزات جعلته مؤهلا لقيادة الجامعة لفترة طويلة تمتد على 24 سنة .
وقد شاهدنا الشيخ عن قرب خلال فترة دراستنا من عام 1984 م الى عام 1990 م وهو في المرحلة الأخيرة من عمره مع تداعياته من مرض وضعف ونقاهة ولكن ما رأينا تقصيرا في حضوره للمكتب أو تساهلا في أداء مسؤولياته أوالاهتمام بأمورالإدارات كلها سواء كان الجو بارداأوحارا يكون مطراشديدا أي وضع كان لا يقدرأن يمنعه من الاهتمام بالشؤون الادارية وفي آخرعمره رغم المرض والضعف الشديد كان يخرج مع عصاه بمساعدة أخينا وزميلنا في الدراسة الأخ نديم أحمد لاري والذي كان حفيدا له وإخوانه الآخرين الى المكتب ويجلس طول وقت الدوام لإكمال الأمورالادارية والتدريسية والمالية وغيرها .
وكل هذه الأنشطة والأعمال وشؤون الطلاب والمدرسين المالية والإدارية الأخرى كانت تؤدى بسلاسة ودقة وشفافية تحت إمرته وفي ظل قيادته .
وكنت سعيدا جدا على المستوى الشخصي بأن حفيد الشيخ لاري أحمد نديم لاري كان زميلي في الدراسة وكان صديقا لي وكانت تربطنا علاقات الأخوة بقرب والزمالة والصداقة وبهذا كانت تتوفر لي فرصة مواتية لزيارة بيت الشيخ بعض الأحيان بمصاحبة أخي وزميلي أحمد نديم لاري ورغم هيبة كبرشخصيته فإنه كان يعاملني بحب وتودد وشفقة الأب وكان يضيفني بالشاى كذلك اذا سنحت الفرصة لذلك وكان ينصحني قائلا “بأنك هاجرت من الوطن وتركت الوالدين والأهل والأقرباء وسافرت الى هنا بعيدا عن الوطن لأجل الدراسة والتثقيف ونيل هدف عال وتحقيق انجازفي الحياة فلا تنسى الهدف النبيل الذي جئت لأجله واجتهد ليل نهارحتى ترفع اسم دارالعلوم لندوة العلماء، واسم مشائخك وأساتذتك ومدرسيك وكذلك ترفع اسم والديك وأسرتك وتتخرج عالما مرموقا تخدم العلم والدين والدعوة والثقافة وتكون نافعا لقومك .
في احدى اللقاءات مرة بعد صلاة المغرب جلست عنده مع الأخ أحمد نديم فخاطبنا ناصحا وقال بأن نجاحنا في نجاح الأولادوالصغارأنتم وأمثالكم أنظرواالأبناء الذين خرّجتهم ندوة العلماء أمثال العلامة الشيخ السيد سليمان الندوي وغيره المئات من ابنائه من العلماء والمفكرين والمحققين الذين حققواانجازات باهرةفي مجالات العلم والفكر،والبحث والتحقيق،وخدمةالدين والدعوة وبالتالي أناروااسم ندوة العلماءوخدمواالملة والأمة الاسلامية.فعليكم أن تدرسوا سيرهؤلاء لكى تجعلوهم قدوة في دروب الحياة وتعرفوا كيف تعاملوا مع التحديات التي واجهتهم خلال خدمتهم للعلم والبحث والتحقيق وخلال تحركاتهم وجولاتهم لتربية الناس ولإيجاد الوعي الديني وحثهم على التمسك والإلتزام برسالة الإسلام السمحة وأضاف قائلا بأنكم الأبناء تركتم أهلكم وعائلتكم وبيتكم وراحتكم وهاجرتم الى هذا المكان وسعدتم بفرصة الالتحاق بجامعةندوةالعلماءالمرموقة فلاتفوّتواالفرصة القيّمة التي أتيحت لكم بتوفيق من الله تعالى واستفيدوا من هذه الفرصة الذهبية في حياتكم بكثرة القراءة والدراسة والمطالعة وبالمشاركة الفعالة في الأنشطة التربوية والثقافية وبالتدرب على الخطاب في النوادي الأدبية العربية والأردية حتى ترفعوااسم جامعتكم ندوة العلماء واسم أساتذتكم ومدرّسيكم وكذلك اسم والديكم ولكن رغم هذه الشفقة الأبوية مع الجميع والنصائح الكريمة والأسلوب التربوي المتسامح شاهدنا بأن الشيخ محب الله كان يراقب بدقة تصرفات الطلاب والتزاماتهم للصلوات وارتباطهم بالموروثات الاسلامية ولايتغاضى عن تساهلهم بل يتابعهم بالإنذاروالتنبيه وكان يرى في التقصيرفي ذلك نقصا في اسلوب التربية ، فهذه ميزات مرب خبيريعرف كيف يتعامل مع البيئة الجامعية التعليمية والتربوية حتى يواصل هذاالصرح العلمي العالمي المعروف في أداء رسالته التعليمية والتثقيفية والتربوية .
وقد حدث مرة مع صاحب هذه السطوروكان طالبا في رحاب الجامعة بأن تأخرت في الحضورعلى الموعد الى الجامعة في بداية السنة وعندماوصلت متأخرابعض الشئ وجدت أن عملية الالتحاق والتسجيل قد اكتملت ولم تبق فسحة حتى أقدرأن التحق وأواصل دراستي كما أن غرف السكن كذلك قدامتلاءت ولم يتبق مكان في أي غرفة في الوحدات السكنية وبالتالي كانت أزمة لطالب صغيرمثلي جاءبعيداعن الوطن في ظروف سفرصعبة وشاقة وتحمل عناءالسفرقاصداالدراسة في ندوة العلماء دون غيرهاوقد تحيّرالشيخ الرئيس كذلك عندماعرف أني وصلت وقد تأخرت فبدأ الشيخ البحث عن إمكانية أن يُخرج بأي طريقة مكانا في الفصل الدراسي وفي السكن حتى لاتضيع أوقاتي وأواصل دراستي وهويعرفني ويدرك مدى البعدوالمسافة الطويلة التي سافرت منه . كما أنه دعا مراقبي الوحدات السكنية وسألهم حول ما إذا كانوا يقدرون تدبيرالأمروالبحث عن مقعد واحد في الغرف السكنية وتمعن في التفكيروالبحث لمدة أيام لكي يحل المشكلة ولكنه لم يجد أي امكانية وهذا كان ديدن الأمربأن عشرات ومئات الطلاب كانوا يعودون كل سنة الى بيوتهم أويتوجهون الى المدارس والجامعات الأخرى وهم قدموا للإلتحاق حاملين أمنية الدراسة في ندوة العلماء ومازال الأمركذلك رغم التوسيع الكبيرفي المرافق من الوحدات السكنية والفصول الدراسية ولكن بكثرة الطلب وزحمة المشتاقين للإلتحاق مازالت هذه المعضلة كماهي ولم تجدالحل وذلك لأن الطلب للإلتحاق بهذه المؤسسة التعليمية المرموقة كبيرجدا ولها صيت طاربها الركبان في جميع أنحاء العالم فبالتالي أرسل الشيخ خبراالى الشيخ المولانامحمد غفران الندوي الذي كنت ساكن عنده في انتظارالقبول والتسجيل وتجديدالإلتحاق لأني أصلا كنت طالبا للجامعة ولست ملتحقا جديدا حتى يتم رفض طلبي وأحرم من الدراسة فأرسل الشيخ الرئيس الى الشيخ المولانا غفران حفظه الله تعالى وأطال بعمره بأن يوجهني للإنتقال هذه السنة الى مدرسة ” فلاح المسلمين ” للشيخ المولاناعبدالباري الندوي رح بمقاطعة رائ بريلي حتى أواصل دراستي هناك بكدوجهدوأرجع السنة القادمة الى الشيخ الرئيس دون تأخيروأقابله شخصياحتى افوز بالإلتحاق .
وجديربالذكربأنه رغم حبه وشفقته لنا وللطلاب كلهم وحرصه على تربيتهم تربية خلقية اسلامية عالية فإن الطلاب جميعا كانوا يخافون شديدا ويرهبون من شخصية الشيخ الرئيس وكنا نصعّب شديدا مقابلته حتى أن الطلاب كانوايغيرون الطريق إذاراؤبأن الشيخ قادم من هذا الطريق أوسيمرهومن هناك. فنزولاعندأمرالشيخ وبتوجيه منه توجهت مع أخينا الكبيرالأستاذالبروفيسورالدكتورأيوب تاج الدين الندوي الذي كان طالبامثلي في الصفوف العلياوالذي فوّض الشيخ غفران إليه مسؤولية إيصالي الى مدرسة فلاح المسلمين حتى وصلت اليه وكملت سنة الدراسة .
وأتّذكربأن الوالدالشيخ المولاناالقاضي محمدحسن عندما جاء تلك السنة لزيارة العلاّمه الشيخ السيدأبوالحسن علي الحسني الندوي ورؤيتي واجه مشكلة في الوصول الى هذه المنطقة لمقاطعة رائ بريلي والتي تبعد مايقارب ثمانين كيلومترامن مدينة لكناؤعاصمة ولاية أترابراديش .ومن هناك توجهت مع الوالدرحمه الله لزيارة الشيخ العلامة السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي وهومن سكان هذه المنطقة فزرناه وقد أكرم وفادة الوالدوسأله وناقش معه حول أوضاع ولايةكشميرودعا لهاولأهلهاونصحني ووجهني للتركيز في الدراسة وبذل الجهد والتوسع في القراءة والمطالعة حتى تتوّسع الثقافة ويتعّمق العلم وكانت زيارة الشيخ العلامه أبي الحسن مع الوالد حافزا لطالب صغيرمثلي للجهد في طلب العلم والإلتزام بمنهج الاسلام الخلقي والدعوي فقد انتهت هذه الزيارة المليئة بالشوق والحماس فرجعت الى المدرسة ورجع الوالد رحمه الله الى وطنه كشمير.
وعندماكملت السنة فتوجهت في شهررمضان المبارك الى خانقاه زاوية الشاه علم الله عند الشيخ العلامة السيد أبي الحسن علي الحسني الندوي وهو قريب من المدرسة وموطن ومسقط رأس الشيخ العلامة الندوي رحمه الله تعالى فقضيت الشهرالفضيل وعشت أجواءرمضانية وإيمانية مليئة بالإلتزام الديني والتربية الخلقية الاسلامية وحماس للعبادات وصحبة الشيخ العلامة ودروس العلماءالكبارالذين كانوا يحضرون عنده في هذاالشهرالفضيل للإقامة في المسجدعنده والاستفادة من الأجواء الإيمانية والمواظبة على العبادات بالوقوف في رحاب مسجدالدائرةعلى مدارالساعة فكان رونقادينياوعلمياوإيمانيا خاصامليئابالأنشطة الاسلامية من الصوم والصلوات والتراويح والقيام ودروس العلماء في الحديث والتفسيروغيرها من الأنشطة التي كانت تستمرعلى مدارالساعة في رحاب الزاوية وكان عددا كبيرامن الناس الذين كانوايحضرون عندالشيخ العلامة من أنحاءالهندأقصاها وأدناهالقضاءالشهرالفضيل عنده ومعه ومنهم العلماءوالأطباء والمهندسين وغيرهم من البروفيسوروكبارالموظفين في وزارات الدولة فكان جواإيمانيا يصعب تصويرجماله وقوته وتأثيره في القلوب والنفوس .
وفي أجواءهذه الخانقاه والزاوية الإيمانية تولى الشيخ المولانا محمد عارف السنبهلي درس التفسيروهوكان يعمل في تلك الأيام على كتابه ” الشيعة ، الخميني ، والثورة الإيرانية ” وكان يلقي دروس التفسيركذلك في مسجدالدائرةبأسلوب سهل مبسط مراعاةللحضوروأكثريتهم من الطبقة الدارسة دراسة حديثة من الطب والهندسة والعلوم وغيرها فرافقتُه في مسجد الدائرة والتزمتُ به وهومدّرس دارالعلوم لندوة العلماء وكان يعرفني جيّدا فعندما تذاكرنا قال لي تعال بعد رمضان الى الندوة وزر الشيخ محب الله وإذا واجهت أي مشكلة في موضوع الإلتحاق أخبرني فتوجهتُ الى دارالعلوم ندوة العلماءبعدأن قضيت شهررمضان المبارك في الدائرة أول وصولي توجهت الى الشيخ محب الله وسلّمت علىه فعرفني وتذّكر موضوعي فورافوجّهني لإكمال إجراءات الإلتحاق والنقطةالتي أريدأذكرهاهناهي أن الشيخ محب الله كان يتمّتع بذاكرة قوية حيث تذّكررغم إنشغالاته التنظيمية والإشرافية الكثيرة ومشاكل الطلاب وإشكالات المدّرسين وأموردارالعلوم الداخلية والخارجية وقرأةالرسائل والطلبات والمعاملات العديدة التي كانت تأتيه من أنحاء العالم .
الميزة الخاصة والصفة المميّزة التي يذكرهاويعترف بهاالطلاب ومدّرسي وموظفي الدارلتلك الفترة بأن الشيخ رغم رهبته وخوف الجميع منه كان يحمل حرمة خاصة في قلوب الجميع وهذالم يتأت له الا بأسلوبه التربوي العالي والتسامح الأبوي والشفقة الكريمة والإهتمام بالجميع وكنانشاهدمنظرالحرمة والإحترام وهيبته على الطلاب وغيرهم بأن الشيخ عندما كان يخرج من المسجد الى البيت بعد صلاة العشاء فكان تجمع الطلاب الكبيرخارج ساحات المسجد ينقشع بمجرد رؤية خروج الشيخ من المسجد حتى تجد ساحات خالية التي كانت تملأ وتكتّظ قبل خروج الشيخ من المسجدوهي ميزة من ميزات القبول عند الله لشخصيته وإخلاصه وتفانيه في سبيل الهدف وأي هدف أسمى من الاهتمام بتربية الأجيال على التمسك بالخلق الاسلامية العالية وتحليهم بحلية العلوم الاسلامية .
ونحن خريجوا تلك الفترة دائما نعتزونفتخربأننا عشنا الفترة التي كان الشيخ محب الله لاري الندوي رئيسا لندوة العلماء والشيخ العلامة السيد أبوالحسن علي الحسني الندوي كان رئيسا عاما وهاتان الشخصيتان هما اللتان وقّعتا على شهاداتنا لندوة العلماء وهي مفخرة ومعّزة ستذكر في التاريخ .
شخصية الشيخ محب الله كانت مجموعة لميزات إنسانية كريمة وصفات خلقية عالية تجمع فيها تعمق العلم ودقة وبعدالنظروالخبرة في تنظيم شؤون المؤسسة والإدارة والقناعة والزهد والتقشف في حياته الشخصية والتعفف والإستغناءعن مطامع الدنياومافيهاوالخشية والخوف والتقوى من الله في ظاهره وباطنه .
والجديربالذكرويشهدعليه كل من عاش في تلك الفترة داخل رحاب ندوة العلماء وشاهد أعمال الشيخ وتحركاته وأنشطته بأنه قضى حياته التي تمتد الى اربعة وعشرين سنة كرئيس لندوة العلماء بأنه قضى هذه الفترة التي ليست بالقصيرة بغاية من الزهدوالعفاف والإستغناءولم يأخذ لنفسه فلسا من مال الندوة أواستفاد شيئا من ممتلكاته أوطمع في شئ ، هوأعطى لندوة العلماءأكثرمماأخذمنها وهي ميزة قد تندروجودها في هذاالزمان والعكس كثيرحيث هناك أناس معروفين ما قصروا في الاستفادةمن أي فرصةلاختلاس أموال وممتلكات المؤسسة وشروالأنفسهم وأهلهم بيوت وفلل ومصانع وعقارات على حساب الجامعة دون حسيب أورقيب.
المشائخ والعلماء والأساتدة والمدرسين وكبارالمسؤولين لذلك العصر والذين تعاملوامع الشيخ الرئيس ليل نهارشهدواعلى علومكانته في العلم وطول باعه في شؤون الإدارة والتنظيم وخبرته في التعامل وحل المشاكل العويصة بهدؤ والتي كانت تعترض مسيرة دارالعلوم كما أن العلامة الشيخ السيد ابوالحسن علي الحسني الندوي قد أبدى حزنه الشديدعلى رحيله وشهدله بالخيروأثنى على شخصيته وكتب عنه مقالامستفيضا في كتابه ” برانى جراغ ” ” المصابيح القديمة ” وكانا زميلين في الدراسة كما أن الشيخ محمد الرابع الحسني الندوي والشيخ محمدواضح رشيدالحسني الندوي والشيخ الدكتورسعيدالرحمن الأعظمي المدير العام الحالي للندوة وغيرهم من العلماء من الداخل والخارج أثنواعلى الشيخ وشهدواله بالعظمة والكرامة والخوف والخشية من الله
التاريخ يشهد بأن الخصوصيات والميزات التي تحلى بها الشيخ قد يصعب على من بعده نيله والوصول اليه .
رحم الله الشيخ محب الله لاري الندوي وأكرم مثواه ورفع درجاته في العليين من جنات النعيم .
كما ندعوا الله تبارك وتعالى أن يحفظ جامعة ندوة العلماء ويجعلها قوية وصامدة في أداء رسالتها على أكمل وجه وأوسع مستوى هوولي ذلك والقادرعليه .
هذه كانت بعض الإنطباعات لصاحب هذه السطورعن شخصية الرئيس السابق للندوة وهي شخصية تستحق أن يدبج عنها اليراع و أن تكتب عنها الكتب .
