تعدد الوظيفة الإعرابية؛ لاتساع معنى الوحدة المعجمية
الكلمات المفتاحية: الوظيفة الإعرابية، الإعراب، المعنى، الوحدة المعجمية، المعجم.
About the Author
الدكتور بدر بن سالم بن جميل السناني. — الدكتور , جامعة التقنية والعلوم التطبيقية بالرستاق سلطنة عمان.
تعدد الوظيفة الإعرابية؛ لاتساع معنى الوحدة المعجمية
Abstract:Linguistic studies consider the traditional term "word" an obstacle to many linguistic studies due to the inability to establish clear boundaries for it, such as the limitations of its spelling and function, the inadequacy of linear definitions for compound expressions (coined phrases), and the overlap between linguistic levels in dealing with a single word. Therefore, the term "lexical unit" emerged as a sound scientific alternative, bridging Arabic grammatical thought with modern linguistics. This term aims to define the lexical unit semantically and convey the information that characterizes its actual behaviour in the text, moving beyond the constraints of rigid linear forms.
Early Arab scholars recognized the significance of the lexical unit and addressed it in their studies. They understood that the breadth of its meaning and the suitability of its surface structure for multiple interpretations are among the reasons for the multiplicity of grammatical functions. This multiplicity grants Arabic a wide range of structures and a rich lexicon, transforming surface structures into expansive semantic spaces that efficiently serve the purposes of discourse.
The relationship between inflection and meaning is dialectical; just as inflection requires meaning, meaning requires inflection. Grammatical analysis is a semantic morpheme whose function is to ensure clarity and reveal the speaker's underlying psychological intentions. However, some instances remain ambiguous, allowing for multiple interpretations. Perhaps the most significant reason for this multiplicity of grammatical functions is the shared grammatical function of a lexical unit, and the fact that a lexical unit can be treated as a separate entity when a word conveys the meaning of two words simultaneously.
The lexical meaning is the essential guide to grammatical analysis. The broader the semantic range of a unit and the more its surface structure can accommodate multiple meanings, the more grammatical interpretations become, transforming concise structures into expansive semantic spaces that encompass the most subtle intentions of the discourse.
Key Words:Grammatical function, Inflection, meaning, Lexeme, lexicon.
ملخص البحث: ترى الدراسات اللسانية أن مصطلح الكلمة التقليدي يمثل عائقا أمام الكثير من الدراسات اللسانية؛ لعدم القدرة على وضع حدود واضحة له كقصور الشكل الإملائي والوظيفة، وعجز التعريف الخطي أمام التعبيرات المركبة (المركبات المسكوكة)، فضلا عن التداخل بين المستويات اللغوية في تناول الكلمة الواحدة، فجاء مكانه مصطلح الوحدة المعجمية بديلا علميا رصينا يربط بين الفكر النحوي العربي واللسانيات الحديثة؛ لضبط الوحدة المعجمة دلاليا وحملها المعلومات التي تميز سلوكها الفعلي في النص بعيدا عن قيود الشكل الخطي الجامد.
فطن علماء العربية قديما إلى دلالة الوحدة المعجمة وتناولها في دراستهم، وكانوا مدركين أن اتساع دلالة هذه الوحدة وصلاحية بنيتها السطحية لأكثر من معنى هو من أسباب تعدد الوظيفة الإعرابية التي تمنح العربية سعة في تراكيبها وثراء في معجمها اللغوي، محوّلةً البنى السطحية فضاءات دلالية رحبة تخدم أغراض الخطاب بكفاءة عالية.
إن العلاقة بين الإعراب والمعنى جدلية فبقدر ما يحتاج الإعراب إلى المعنى، يحتاج المعنى إلى الإعراب؛ فالإعراب هو مورفيم دلالي، ترتكز وظيفته في تحقيق أمن اللبس والكشف عن المقاصد النفسية الكامنة في ذهن المتكلم، لكن تبقى بعض المواطن ملبسة فتحتمل بنيتها أكثر من قراءة، ولعل من أهم الأسباب الباعثة على تعدد الوظيفة الإعرابية اشتراك الوحدة المعجمية في أكثر من وظيفة إعرابية وإعطاء الوحدة المعجمية حكم غيرها حين يمنح اللفظ مؤدى كلمتين في آن واحد.
إن المعنى المعجمي هو موجه الإعراب الجوهري؛ فبقدر اتساع دلالة الوحدة وصلاحية بنيتها السطحية لاحتمال أكثر من معنى، تتعدد التوجيهات النحوية لتتحول الأبنية الموجزة فضاءات دلالية رحبة تستوعب أدق مقاصد الخطاب.
الكلمات المفتاحية: الوظيفة الإعرابية، الإعراب، المعنى، الوحدة المعجمية، المعجم.
مقدمة البحث: تُعد ظاهرة الإعراب من السمات البارزة التي تميزت بها اللغة العربية بين اللغات السامية، فهي ميزان العربية والقانون الذي يحكم تراكيبها، ويربط بين البنية اللفظية والمقاصد الدلالية، ويخلص من جمود ترتيب ألفاظها؛ فيمنحها الثراء البلاغي والتركيبي بامتلاكها مرونة فائقة للتعبير عن أدق المعاني والمقاصد.
ليس الإعراب وسيلة للتخلص من التقاء الساكنين أو تسهيل وصل الكلمات، مؤكدين أنه ترجمة للمعاني الكامنة في النفس، فهو مورفيم دلالي ووظيفي يربط بين البنية اللفظية والمقاصد الدلالية، يحمي الكلام من فوضى التعبير، ويضمن سلامة التواصل والتمايز بين المعاني المتكافئة، والعلاقة بينه وبين المعنى علاقة جدلية؛ كلٌّ منهما يحتاج إلى الآخر.
تستوعب بنية الوحدة المعجمية أكثر من دلالة منطوقة في آن واحد، مما يفتح آفاقاً واسعة للتأويل، ولا سيما في النص القرآني، فاتساع دلالة الوحدة المعجمية وصلاحية بنيتها السطحية لأكثر من قراءة من البواعث الرئيسة لظاهرة تعدد وظيفة المكون النحوية في تراكيب العربية، ولا سيما في النص القرآني؛ إذ يسمح للكلمة الواحدة بحمل دلالات متكاملة وتوجيهات نحوية متعددة، وهي ظاهرة شائعة في تراكيب العربية، فلا تنكر.
من أهم بواعث تعدد أوجه الإعراب اشتراك الوحدة المعجمية في أكثر من وظيفة نحوية، أو إعطاء الوحدة المعجمية حكم غيرها (التضمين النحوي)، مما يمنح التركيب سعة في المعنى وتعدداً في التوجيه الإعرابي، وقد يشترك مستويان أو أكثر في تعدد توجيه تركيب ما، وهي قيمة جمالية وعلمية تمنح العربية قدرة فائقة على استيعاب المعاني الدقيقة والعميقة ضمن أبنية موجزة.
أهداف البحث:
يهدف البحث إلى استجلاء العلاقة الجدلية بين الإعراب والمعنى بوصف الإعراب مورفيما دلاليا وظيفته الرئيسة تحقيق أمن اللبس والكشف عن المقاصد النفسية للمتكلم، ويتخذ البحث من مفهوم الوحدة المعجمية أنموذجا بديلا عن مصطلح الكلمة التقليدي؛ ليتجاوز قصور تعريفات الكلمة الإملائية والخطية وتداخل المستويات اللغوية.
يسعى البحث إلى بيان أثر اتساع دلالة الوحدة المعجمية وصلاحية بنيتها السطحية لاحتمل أكثر من معنى في تعدد وظيفة المكونات الإعرابية؛ لذا يجيب البحث عن السؤال الرئيس الآتي: كيف يؤثر اتساع دلالة الوحدة المعجمية في تعدد الأوجه الإعرابية ؟
منهجية البحث:
اعتمد البحث المنهج الوصفي التحليلي مع تطعيمه بـالمنهج المقارن الذي تجلى في الموازنة بين العقلية اللغوية العربية القديمة والنظريات اللسانية الحديثة لبيان مفهوم الوحدة المعجمية، وتأكيد أوجه التكامل بين التراث اللغوي الأصيل والمفاهيم اللسانية المعاصرة؛ رغبة في تجاوز قصور تعريف الكلمة التقليدي والبحث في سعة الاحتمال الدلالي.
أفاد البحث من المنهج التطبيقي الاستقرائي باتخاذ النص القرآني ونصوص الشعر العربي أنموذجا؛ لبيان أثر اتساع دلالة الوحدة المعجمية في توجيه الكلمة إعرابيا لأكثر من وظيفة نحوية ودور ذلك في تحقيق مقاصد المتكلم وإثراء المعنى.
محاور البحث:
يُقسم البحث إلى مقدّمة وثلاثة مباحث، فخاتمة تضم الخلاصة فالتوصيات، أما خلاصة المباحث فالآتي:
أصَّل المبحث الأول الأطر النظرية للوظيفة الإعرابية وماهية الإعراب، مبينا أنه ميزان العربية والقانون الذي يربط بين البنية اللفظية والمقاصد الدلالية، ويستعرض المبحث الإعراب بوصفه مورفيما وظيفيا، يحقق أمن اللبس ويمنع فوضى التعبير، مؤكدا العلاقة الجدلية بين الإعراب والمعنى في مستويي الإنتاج (المتكلم) والتلقي (السامع).
استعرض المبحث الثاني مفهوم الوحدة المعجمية موازنا بين التراث النحوي العربي واللسانيات الحديثة ومحلل قصور مصطلح الكلمة التقليدي، مؤكدا فطنة العلماء القدامى لجوهر الوحدة المعجمية.
أما المبحث الثالث فركز على دور القرينة المعجمية في توجيه الوظيفة النحوية وحسم الأوجه الإعرابية المتعددة التي تفرضها بنية التركيب وتستجيب للقصد النفسي للمتكلم، ويحلل أسباب تعدد الوظيفة الإعرابية مركزا على سببين رئيسين:
الأول: اشتراك الوحدة المعجمية في أكثر من وظيفة إعرابية لصلاحية تتردد بعض الأدوات بين أكثر من وظيفة نحوية.
الآخر: التضمين النحوي وإعطاء الوحدة المعجمية حكم غيرها؛ لتؤدي الكلمة الواحدة مؤدى كلمتين في آن واحد.
المبحث الأول: الأطر النظرية للوظيفة الإعرابية والوحدة المعجمية
1.1. ماهية الإعراب.
تعد ظاهرة الإعراب من أبرز خصائص اللغة العربية وسمة تميزها عن غيرها من اللغات (السيوطي. 1998. ج 1 ص 327)، وهي ظاهرة قديمة وُجدت في أصول اللغات السامية (البابلية والأكادية)، لكن العربية الفصحى تميزت بكونها اللغة الوحيدة التي حافظت على هذا النظام كاملا طوال تاريخها، إذ تكد الدراسات اللغوية أن العربية « احتفظت بظاهرة التصرف الإعرابي بسمة من أقدم السمات اللغوية التي فقدتها جميع اللغات السامية، باستثناء البابلية القديمة، قبل عصر نموها وازدهارها الأدبي» (يوهان فك. د. ت. ص 15).
فقدت اللغات السامية الأخرى كـالعبرية والحبشية والسريانية هذه السمة وتحولت لغات غير معربة، أو بقيت فيها مجرد رواسب غير مؤثرة، إذ تؤكد الدراسات المقارنة أن «الإعراب سامي الأصل، تشترك فيه اللغة الأكادية، وفي بعضه الحبشية، وبجد أثارا منه في غيرها، غير أن العربية ابتدعت شيئين، الأول: إعراب الخبر والمضاف، وتتفق في ذلك مع بعض أخواتها، والثاني: عدم الانصراف في بعض الأسماء، وتنفرد بذلك عن غيرها» (برجشتراسر. 1994. ص 116).
إن الإعراب ميزان العربية والقانون الذي يحكم تراكيبها، ويربط بين البنية اللفظية والمقاصد الدلالية، وهو الفارق بين اللغات الإعرابية (التأليفية أو التصريفية) واللغات التحليلية كالإنجليزية، فاللغات الإعرابية التأليفية تعتمد على تغيير أواخر الكلم، والإعراب في العربية مورفيم يؤدي معنى وظيفيَّا؛ لبيان العلاقات النحوية، مما يمنحها حرية الرتب في تراكيبها ومرونة في التقديم والتأخير دون ضياع المعنى.
أما اللغات غير الإعرابية (التحليلية أو العازلة) فتلتزم فيها الكلمة رتبة واحدة ثابتة (موقع محدد)، فإذا أراد المتحدث في هذه اللغات تحديد العلاقة بين المبتدأ والخبر أو المضاف والمضاف إليه، فإنه يضطر لاستخدام عنصر لغوي ثالث (كأفعال الكينونة أو أدوات الربط)، وهو ما تؤديه حركة الإعراب في العربية بشكل مستقل وموجز.
إن اللغات البشرية تختلف من حيث ترتيب عناصرها، فمنها من يسلك نظاما صارما في ترتيب عناصره، ومنها من يتمتع بحرية في ترتيب هذه العناصر، يقول ڤندريس: « تختلف اللغات اختلافا ملحوظا من جهة حريتها في ترتيب الكلمات، من هذه الوجهة يفرق غالبا بين نوعين من اللغات: اللغات ذات الترتيب الحر، واللغات ذات الترتيب الثابت، وهو تفريق لا تبرره الوقائع، فالحقيقة أنَّه لا توجد لغة واحدة تسير في ترتيب الكلمات على حرية مطلقة، كما لا توجد لغة واحدة ترتيب الكلمات فيها جامد لا يتحرك» (1950. ص 187).
يبقى نظام العربية أكثر مرونة من غيره، تخضع فيه كلمات اللغة العربية لنظام مخصوص، ويراعى في بناء الجملة وصياغة التركيب، حيث تعد اللغة العربية لغة مترددة بين المنزلتين (وجيه. 1998. ص 293)، فهي حافلة بكثير من التراكيب التي يمكن تصنيفها على أنها تراكيب حرة الترتيب، وتوصف مكوناتها بأنها غير محفوظة الرتبة، وتحفل اللغة العربية أيضا بعدد من التراكيب التي يمكن تصنيفها على أنها تراكيب ثابتة الترتيب، وتوصف مكوناتها بأنها محفوظة الرتبة حيث يلتزم فيها التركيب بنمط تركيبي ثابت لا يقبل.
إن الرتب غير المحفوظة متروكة لتصرُّف المتكلِّم حسب مقتضيات السِّياق، فقد تأذن أحيانًا بالتقديم أو التأخير، فهي رتب مرنة يعضدها الإعراب الذي يفارق اللغات الأخرى بكونه أداة لإيجاز الكلم وتوسيع المعنى؛ فالحركة الواحدة تغني عن جملة من الشرح، ويضفي نغما موسيقيا وجرسا للألفاظ يمنح الشعر والنثر العربي رونقا لا يوجد في اللغات المبنية التي تفتقر لتنوع أواخر الكلم، فالإعراب هو الصفة التي نقلت العربية من مجرد رصّ للألفاظ إلى نظام بياني معجز، وهو الذي جعلها لغة مطواعة تستوعب المعاني الدقيقة بمرونة تفقدها اللغات التي تعتمد على جمود الترتيب.
يدور معنى الإعراب اللغوي في فلك البيان والإبانة والإفصاح، فالإعراب لغة « الْبَيَان والتغيير والتحسين، يُقَال: أعرب عَن حَاجته؛ إِذا أبان عَنْهَا» (الكفوي. 1998. ص 143)، والإعراب في الاصطلاح هو « الإبانة عن المعاني بالألفاظ ألا ترى أنك إذا سمعت أكرم سعيد أباه وشكر سعيدًا أبوه علمت برفع أحدهما ونصب الآخر الفاعل من المفعول ولو كان الكلام شرجًا واحدًا لاستبهم أحدهما من صاحبه » (ابن جني. 2012. ح 1 ص 36)، جاء في لسان العرب «الإعراب الذي هو النحو إنما هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ، وإنما سمي الإعراب إعرابا؛ لأنه يبين المعاني» (ابن منظور. 1994. مادة ع. ر. ب).
2.1. العلاقة بين الإعراب والمعنى.
تمثل علاقة الإعراب بالمعنى علاقة جدلية بين الدراسين، وهي علاقة وثيقة لا يمكن أن نفصل بينهما، حيث يمثل الإعراب في العربية نظاما دقيقا يتجاوز مجرد ضبط الألفاظ الشكلي، فالإعراب هو المسؤول عن أمن اللبس في التراكيب اللغوية والضمانة التي تحمي الكلام من اختلاط الفاعلية بالمفعولية أو التعجب بالاستفهام عند تشابه المباني، فهو ليس زيادة صوتية أو حركات عبثية جيء بها للسرعة في الكلام، وللتخلص من التقاء الساكنين عند اتصال الكلام كما يرى قطرب (الزَّجَّاجي. 1986. ص 70، والسيوطي. 1997. ج 1 ص 79).
بمذهب قطرب (محمد بن المستنير) قال إبراهيم أنيس الذي يرى أنه ليس للحركة الإعرابية مدلول، جاء في الفصل الثالث المعنون (قصة الإعراب) من كتابه من أسرار اللغة » لم تكن تلك الحركات الإعرابية تحدد المعاني في أذهان العرب القدماء كما يزعم النحاة، بل لا تعدو أن تكون حركات يحتاج إليها في الكثير من الأحيان لوصل الكلمات بعضها ببعض» (أنيس. 1978، ص 237).
ردَّ العلماء على نظرية قطرب التي زعمت أنَّ الإعراب مجرد ظاهرة صوتية جيء به للتخلص من التقاء الساكنين وتسهيل وصل الكلمات، وليس للدلالة على المعاني؛ لذا يكاد يجمع الدراسون قديما وحديثا أن الإعراب ترجمة للمعاني الكامنة في نفس المتكلم والوسيلة التي تفتح الألفاظ المغلقة؛ لتكشف عن المقاصد المختبئة وراءها، فعلاقة الإعراب بالمعنى علاقة وطيدة، تبرز في اتجاهين متكاملين:
2.1. 1. الإعراب فرعُ المعنى (مرحلة الإنتاج ووجهة نظر المتكلم).
يُعدُّ المعنى هو الأصل، والإعراب خادم وتابع له؛ فالمتكلم يراعي المعنى أولا وهو ينسج كلماته، ثم يأتي الإعراب تعبيرا عن ذلك القصد، فقرروا أن « كل مَا صلح بِهِ الْمَعْنى فَهُوَ جيد، وكل مَا فسد بِهِ الْمَعْنى فمردود » (المبرد. 1994. ج 4 ص 311)؛ اعتمد أبو العباس المعنى حكمًا فيصلا في تصحيح النحو، وهذا الأمر الذي كان عليه أكثر نحاة العربية، فجعلوا أول الشروط التي يجب تحققها في المعرب أن يفهم معنى ما يعربه مفردًا أو مركبا قبل الإعراب؛ لأنه فرع المعنى (ابن هشام. 1985. ج 2 ص 527).
يؤكد هذه الحقيقة اعتناء سيبويه بالمعنى قبل الإعراب، حيث كان يحرص على أن يصحح المعنى قبل أن يصحح الإعراب، فالأولى عنده المعنى ثم الإعراب، فهو يتلمس المعنى الذي ينساق له الكلام، وعاب على النحويين حرصهم على الإعراب أولا، وإن فسد به المعنى والحامل له على ذكر المعنى هو أن يظهره الإعراب، وذلك من أجل قيام المعنى في ذهنه أولا (عبده. 1982. ج 1 ص 307)، وعقد ابن جنى في كتابه الخصائص بابا للرد على من ادعى على العرب عنايتها بالألفاظ وإغفالها المعاني، فهو يرى أن العرب تحلى ألفاظها، وتدبجها، وتشيها، وتزخرفها؛ عناية بالمعاني التي وراءها وتوصلا بها إلى إدراك مطالبها، فالألفاظ خدم للمعاني، والمخدوم -لا شك- أشرف من الخادم (ابن جني. 2012. ح 1 ص 221)
2.1. 2. المعنى فرعُ الإعراب (مرحلة الفهم ووجهة نظر المتلقي).
يعد « الإعراب من أهم خصائص العربية وأبرزها، فيه تعرف المعاني، وعليه يوقف على قصد المتكلم من كلامه، وبه يميز السامع بين المعاني، وعليه يتوقف فهم كلام العرب؛ لما له من فوائد دلالية وإيقاعية وتأثيرية في فهم المتلقي » (علوش.1997. ص 56)
إن أصحاب هذا القول ينطلقون من جهة السامع أن الإعراب هو الطريق الموصل إلى المعنى والمفتاح الذي يفتح الألفاظ المغلقة فبمعرفة حقيقة الإعراب تظهر الفوائد، ويفهم الخطاب، وتصح معرفة المقاصد؛ لأن «الألفاظ مغلقة على معانيها حتى يكون الإعراب هو الذي يفتحها، وأنّ الأغراض كامنة فيها حتى يكون هو المستخرج لها، وأنه المعيار الذي لا يتبيّن نقصان كلام ورجحانه حتى يعرض عليه، والمقياس الذي لا يعرف صحيح من سقيم حتى يرجع إليه، لا ينكر ذلك إلّا من ينكر حسّه، وإلا من غالط في الحقائق نفسه» (الجرجاني. 2001. ص 30).
القول إن الإعراب هو للدلالة على المعاني المختلفة حقيقة لغوية ليس فيها شك فيما نرى، فالإعراب هو المقياس الضابط لسلامة التركيب والضامن الوحيد لبلوغ المعنى المراد، وبدونه تظل الألفاظ مغلقة على معانيها، وهو المقياس الأدق للكشف عن العلائق بين عناصر الخطاب الذي يتبين به الفضل، وإلا فمن ينكر أن قولنا « أرهب الناس سلمان، إذا كان غفلا احتمل معاني عدة، ولا يتضح المعنى المراد إلا بالإعراب؟ وذلك نحو: أَرْهَبَ النَّاسُ سَلْمَانَ، أَرْهَبَ النَّاسَ سَلْمَانُ، أَرْهَبُ النَّاسِ سَلْمَانُ، أَرْهِبِ النَّاسَ سَلْمَانُ» (السامرائي. 2007. ص 34).
يذهب أكثر الدارسين إلى أن الإعراب فرع المعنى؛ لأن المعنى أسبق في الوجود من اللفظ، إذ يقع المعنى في خاطر المتكلم وذهنه أولا، ثم يسوقه، ويعبر عنه لفظا، ولعل المتكلم يجتهد في تقويم لفظه وضبطه؛ ليعبر عن المعنى الذي يريده أفضل تعبير، لكنه حين يُقَوِّم ويضبط إنما يفعل ذلك باللفظ، وليس بالمعنى، فالفكرة قائمة في الذهن، ويبقى التعبير عنها، فإنْ قَصَر عن التعبير عنها، فإنما ذلك يرجع إلى قدرته اللغوية التعبيرية، وليس إلى قصور المعنى (الجبالي. 2021).
إن الإعراب هو ميزان العربية والضمانة الوحيدة لسلامة الفهم ومنع فساد المعاني، وهذا التلاحم بين الإعراب والمعنى يجعلهما صنوين لا ينفصلان؛ فبقدر ما يحتاج المعنى إلى الإعراب؛ ليتحقق أمن اللبس، يحتاج الإعراب إلى المعنى؛ ليكون له مدلول وظيفي يخرجه من دائرة الشكلية الصرفة إلى آفاق البيان الإعجازي، وهذا ما تؤكده وظائف الإعراب الدلالية.
3.1. وظائف الإعراب الدلالية.
يعد الإعراب المورفيم الذي يدل المستمع على علاقة اللفظ بلفظ آخر في التركيب، ويربط أجزاء الكلام، ويجعلها ملتحمة لتؤدي وظيفتها الإبلاغية، ويتجاوز الإعراب بنية الكلام التركيبية إلى ربطه بالتواصل والكفاية النمطية والتداولية؛ لتحقيق توازن بين القواعد اللغوية وكيفية استخدامها في السياقات الاجتماعية والعملية، فالإعراب أداة دقيقة لتمييز المعاني وتوجيهها في الجملة.
تتركز أهم وظائف الإعراب الدلالية في تفصيل الخطاب؛ لكونه النظام الذي ينقل اللغة من دائرة الأصوات المجردة إلى آفاق المعاني الدقيقة، وتتجلى أبرز هذه الوظائف في الآتي:
3.1. 1. تحقيق أمن اللبس وتمييز المعاني المتكافئة.
» من العلوم الجليلة الَّتِي خصت بِهَا العرب الإعرابُ الَّذِي هو الفارق بَيْنَ المعاني المتكافِئَة فِي اللفظ، وبه يعرف الخبر الَّذِي هو أصل الكلام، ولولاه مَا مُيّز فاعل من مفعول، ولا مضاف من مَنْعوت، ولا تَعَجُّبٌ من استفهام، ولا صَدْر من مصدَر، ولا نعتٌ من تأكيد » (ابن فارس. 1997. ص 43).
يفرق الإعراب بين المعاني التي قد تشتبه في اللفظ، فوظيفة الإعراب المركزية فك انغلاق الألفاظ ومنع اختلاط المعاني المحتملة التي قد تتطابق في المباني، وتختلف في القصد والدلالة؛ فبدون الإعراب قد يُسْتبهم الفاعل من المفعول والمنعوت من المضاف والتعجب من الاستفهام. فالإعراب هو الضمانة التي تحمي الخطاب من فوضى التعبير والإبهام والغموض، مما يجعله المعيار والمقياس الذي لا يُعرف صحيح المعنى من سقيمه إلا بالرجوع إليه.
ثمة روايات في التشريع والفقه يتعلق المعنى فيها بحركة اللفظة، ومن أمثلة هذا ما دار بين الكسائي وأبي يوسف في حضور الرشيد؛ حين سأل الكسائي أبا يوسف في رجلين اتُّهما بقتل عبد لرجل، فقدمهما إلى قاض، فادعى عليهما قَتْل عبده. فسأل أحدهما، فقال: أنا قاتلُ عَبْدِه، وسأل الآخر فقال: أنا قاتلٌ عَبْدَه، أيهما القاتل؟ فقال أبو يوسف: جميعا. فقال الكسائي: بئس ما قلت، أنعِم النظر. فقال: الذي قال: أنا قاتلٌ عبدَه. فقال: وهذا أيضا خطأ. فقال الرشيد: أما علمت أن الذي قال: أنا قاتلٌ عبدَه، قد وعد بقتله، ولم يقتله، وأن من قال: أنا قاتلُ عبدِه قد أقر بالقتل؟ فانتبه أبو يوسف (العَوْتبي. 1999. ج 1 ص 20)
مثل هذا في العربية كثير، مثله لو قلت: الرجل سعيدٌ بلقاء صديقه وابنه، فضبط ( ابن ) يحدد هل هو ابن الرجل (وابنُه)، أو هو ابن الصديق (وابنِه).
3.1. 2. توليد تعدد الأوجه وتوسيع الدلالة.
يؤدي الإعراب وظيفة جوهرية في إثراء المعنى وتوليد دلالات متعددة من مبنى لفظي واحد؛ فاحتمال الكلمة لأكثر من وجه إعرابي يفتح آفاقا واسعة للتأويل، خاصة في النص القرآني، وهي كثيرة منها للتمثيل قراءة ( يقول ) في قوله تعالى: ﴿ وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ ﴾ (سورة البقرة: 214)، فـ( حَتَّى ) على النصب بمعنى ( إلى )، ويكون ما قبل ( حَتَّى ) وما بعدها قد وجدا ومضيا، والتقدير: وزلزلوا إلى أن يقول الرسول، والزلزلة والقول قد وجدا، وهذا كقولك: سرت حتى أدخلها، أي: إلى أن أدخلها، فالسير والدخول قد وجدا ومضيا.
أما الرفع فيكون على سبيل الحال المحكية التي وجدت، والمعنى: وزلزلوا فيما مضى، حتى أن الرسول يقول الآن: متى نصر الله، فهي حال ماضية محكية، كما يقال: شربت الإبل حتى يجيء البعير يجر بطنه، والمعنى: شربت الإبل حتى إن من حضر هناك يقال: يجيء البعير يجر بطنه.
يبرز -أيضا- أثر الإعراب في قوله تعالى: ﴿ وَلِبَاسُ التَّقْوَى ﴾ ( سورة الأعراف: 26) حيث قرئ بالرفع والنصب؛ فمن قرأ بـالرفع جعل (اللباس) مبتدأ وخبره (خير)، أو خبرا لمبتدأ مضمر؛ ليكون التركيز على فضل لباس التقوى ورفعة شأنه.
أما من قرأ بالنصب فقد عطف (اللباس) على المفاعيل السابقة (لباسا وريشا)؛ ليدخل في حيز المنّة والإنزال؛ فالمعنى: (وأنزلنا عليكم لباس التقوى).
يدل رفع (اللباس) على الإخبار بفضيلته، ونصبه يدل على نعمة إنزاله، لذا يُعِدُّ تعدد الأوجه الإعرابية إثراء للمعاني، وهذا التعدد ليس نقصا في التحديد، بل هو أداة تحليلية دقيقة، ونوع من الاتساع الذي يثري المعنى يحمل أكثر من دلالة صحيحة في آن واحد، ويسمح للنص باستيعاب مقاصد المتكلم المتنوعة، ويشكل دلالات جديدة تكاملية مع غيرها بناءً على الموقع النحوي المختار.
3.1. 3. منح حرية التركيب والمرونة البنائية.
إن تحريك عناصر التركيب ميزة في النظام النحوي العربي، جعلته يتسم بالمرونة، وهذه المرونة هي التي أتاحت للمنشئ العربي فرصا كثيرة للتعبير عن الأغراض والمشاعر المختلفة إذ يعطي الإعراب في العربية المتكلم حرية التصرف في بناء الجملة التركيبي، ويمنحه سعة في التقديم والتأخير إذا اقتضى المقام البلاغي ذلك مع احتفاظ كل كلمة من ذلك البناء بمعناها الذي تؤديه، ولا يكفي في ذلك رتبة الكلمة ما لم تمنح الحركة الإعرابية التي تضفي عليها المعنى، إذ يمنح الإعراب المتكلم حرية هائلة في التقديم والتأخير دون فقدان وظيفة الكلمة النحوية؛ فالإعراب هو الذي يكفل مرونة الجملة العربية وتنوعها. ومعه يمكن تقديم المفعول على الفاعل؛ لتحقيق أغراض بلاغية (الاهتمام أو التخصيص) مع بقاء المعنى مؤمنا من اللبس، وهو ما تفتقر إليه اللغات غير المعربة التي تلتزم برتبة واحدة ثابتة، و» تدور هذه الظاهرة في اللغة العربية على نطاق واسع؛ وذلك لأنها تقع ضمن اللغات التي لا يحدد موقع الكلمة صفتها النحوية، وتعتمد الإعراب في تحديد تلك الصفة، لذلك كان لها قدر وافر من حرية الحركة داخل الجملة؛ لأن الكلمة في أثنائها تحمل ما يدل على صفتها الإعرابية فلها - تبعا لذلك - من الحرية في التنقل» (أمين. 2009. ص 52).
3.1. 4. الإيجاز البياني والاختصار الوظيفي.
يعد الإعراب أداة لتحقيق أقصى درجات الإيجاز واختزال جمل كاملة من الشرح، فالحركة الإعرابية الواحدة تؤدي وظيفة جمل كاملة دون الحاجة إلى استخدام روابط خارجية معقدة لبيان من قام بالفعل ومن وقع عليه، ويمكن أن تختزل المعاني العميقة في حركات بسيطة، مما يغني اللغة عن التوسع اللفظي والحشو، إذ تكتفي العربية بالحركة؛ لتكون أقصر طريق لمعرفة المعاني، مما يضفي على الخطاب دقة وجمالا وسرعة في الإدراك.
يأتي الإعراب قرينة كاشفة عن الاختزالات والكلمات المحذوفة، مما يحقق أعلى درجات الاختصار الوظيفي كقوله تعالى: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ ﴾ ( سورة البقرة: 127 )، فقد دلَّ رفع ( إسماعيلُ ) على أنه مشارك في الفعل مع ( إبراهيم ) دون الحاجة إلى تكرار الفعل ( يرفع )، فالواو عاطفة، وثمة محذوف في التركيب، وهو ( يقولان ) الذي يشغل محل نصب حال، والتقدير العام: وإذ يرفع إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت. يقولان ربنا تقبل منا، قال أبو زكريا: »يريد: يقولان ربنا، وهي في قراءة عبد الله (يَقُولَانِ رَبَّنَا)» (الفراء .2003. ج 1 ص 66).
يسمح الإعراب بزيادة المعنى دون زيادة في اللفظ؛ فالمفردة الواحدة في النص ولا سيما النص القرآني قد تحتمل أوجهًا إعرابية متعددة، وكل وجه يفتح أفقا تفسيريا جديدا، وهذا التعدد يجعل المتلقي وكأنه يقرأ آيات في آية واحدة، وهو ضرب من ضروب البلاغة والإعجاز المتمثل في الإيجاز الذي يجمع كثرة المعاني في أضعاف مقدار الألفاظ.
3.1. 5. تجسيد العلاقة الجدلية بين المبنى والمعنى.
تتركز وظيفة الإعراب في كونه قيادة صوتية صانعة للاتساق بين مكونات الجملة؛ لتؤدي غرضها البياني، وتترجم المعاني النفسية المختلجة في نفس المتكلم، وتحول هذه المعاني الخفية الكامنة في ذهنه علامات وحركات صوتية ملموسة، وهو ما يفسر جوهر العلاقة بين النحو والفكر، فاللفظ ما هو إلا قالب صوتي لترجمة المعاني في نفس المتكلم.
ليس الإعراب زيادة صوتية، فهو صانع للاتساق بين مكونات الجملة، ومن هنا تنبع العلاقة التبادلية بين الإعراب والمعنى؛ فالمتكلم يبني إعرابه بناءً على المعنى (الإعراب فرع المعنى)، بينما يكتشف المتلقي المعنى بالإعراب (المعنى فرع الإعراب)، وهذا يجعل الإعراب بوابة الوصول إلى مراد الخطاب.
تُعد العلاقة بين الإعراب والوحدة المعجمية علاقة تكاملية؛ فالمعجم يمدنا بالمادة اللغوية، وينظم الإعراب هذه المادة بتحديد العلاقات الدلالية والوظيفية بين الكلمات داخل الجملة، ويمثل هذا التكامل بين المعجم والإعراب ركيزة مهمة في هندسة المعنى داخل البنية الجمليّة، فالوحدة المعجمية المقياس الذي يجعل اللغة العربية تتسم بالمرونة والقدرة على استيعاب المعاني العميقة ضمن أبنية موجزة أو مركبة، وتفتح الباب لتعدد الوظائف الإعرابية بناءً على اتساع دلالتها وانفتاح معناها.
يقودنا فهم كُنه هذا التفاعل ومحدداته إلى رصد التطور المعرفي للمفهوم الوحدة المعجمية، وهذا ما سيكون عليه المبحث الثاني من هذا العمل؛ لنقف فيه أمام مقارنة خصبة يتجلى فيها مبحث الوحدة المعجمية بين التراث واللسانيات الحديثة؛ باستجلاء كيف قاربت العقلية اللغوية العربية القديمة هذه الوحدة بعبقريتها التراثية، وكيف أعادت النظريات اللسانية المعاصرة صياغتها وتحديد أبعادها متخطية معنى الكلمة التلقيدي.
المبحث الثاني: مفهوم الوحدة المعجمية بين التراث واللسانيات الحديثة.
يُعدُّ مَفهوم الوحدة المعجمية ركيزة رئيسة تربط بين الفكر النحوي العربي واللسانيات الحديثة، وقد جاء مَفهوم الوحدة المعجمية بديلا عن مفهوم الكلمة الذي ظل عائقا أمام الكثير من الدراسات لعدم قدرته على وضع حدود واضحة له؛ نظرا لتداخل المستويات اللغوية في تناول الكلمة الواحدة التي قد تتعدد صورها اللفظية (بلقاسم. 2022. ص 494)، مما يسبب خلطا في الإحصاء والدراسة المعجمية والحاسوبية، كالخلط الصوتي لنطق الكلمة بنيةً واحدة، لكنها - حقيقة - تؤدي وظيفة جملة كاملة، نحو: ( أسقيناكُمُوهُ ) فهي كلمة واحدة في الصورة البصرية والنطقية، لكنها تتكون من فعل وفاعل ومفعولين.
الكلمة الواحدة هي الوحدة البصرية التي نراها، وتظهر بهيئة متصلة، أي متتالية مكتوبة دون مسافات في وسطها، لكن قد يحدث الخلط بين الكلمة إملائيا، إذ تتكون في حقيقتها من كلمات وظيفية عدة، نحو ( ذلك ) تتكون من اسم إشارة ( ذا ) ولام البعد وحرف الخطاب، هذا ما أثبت قصور تعريف الكلمة بناءً على شكلها الخطي.
يفشل التعريف بالكلمة خطيا أيضا أمام المركبات المسكوكة المعجمية التي تعطي المعنى باجتماع الكلمات، كالكناية في العربية، فهي أكثر من كلمة، لكنها دلاليا تمثل وحدة واحدة، كقولك: ( يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ ) و( قَلَبَ له ظَهْرَ المِجَنِّ ) هي كلمات إملائية متعددة، لكنها وحدة معجمية واحدة من حيث المعنى.
يطرح التداخل بين مفهوم الكلمة ومفهوم الوحدة المعجمية لبسا على النظرية الدلالية أن تتخذ موقفا منه، ولو بصورة ضمنية، والعلة » كلاهما مجموعة غير متجانسة من المعلومات الصوتية والصرفية والتركيبية والدلالية، وأحيانا يتطابقان، وأحيانا لا يتطابقان، لأن المشكل يرتبط بالمعيار الذي يحدد الفرق بين الكلمة والوحدة المعجمية هل هو صرفي أو تركيبي أو معجمي أو دلالي أو من طبيعة أخرى » (الساحلي. 2017. ص 93).
يظهر هذا الفرق جليا في كلمة ( الساعة ) في قوله تعالى: ﴿ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ ۚ كَذَٰلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ ﴾ ( سورة الروم: 55)، فـ( الساعة وساعة) من منظور الكلمة بمفهومها التقليدي (السطحي/الشكلي) تشتركان في التطابق اللفظي والصرفي، فهما كلمة واحدة تكررت مرتين، عُرِّفت في المرة الأولى بـ( أل )، وجاءت في المرة الأخرى نكرة منونة مع تغير موقعها الإعرابي.
لا تقف اللسانيات الحديثة عند حدود شكل الكلمة الخارجي، فنحن في الآية الكريمة أمام وحدتين معجميتين مختلفتين، وليست كلمة واحدة مكررة، فالوحدة المعجمية الأولى: ( السَّاعَةُ ) اسم معرف بـ( أل ) العهدية الذهنية، ولم تعد دلالتها المعجمية تدل على الوقت أو الزمن العام، بل معناها الدلالي المعرفي هو ( يوم القيامة / الحساب )، فأصبحت هذه الوحدة مصطلحا علميا بالغلبة داخل المعجم الديني والقرآني، ولها شحنة دلالية مهيبة ترتبط بنهاية الكون والبعث.
أما الوحدة المعجمية الأخرى ( سَاعَةٍ ) فاسم نكرة منون، يدل على مطلق الوقت أو جزء يسير ومحدود من الزمن، وهي تدل هنا على دهر الدنيا القصير جدا مقارنة بالآخرة.
يتلخص الفرق بين (الساعة وساعة) من منظوري الكلمة والوحدة المعجمية في الآتي:
وجه المقارنة | منظور الكلمة (الشكلي) | منظور الوحدة المعجمية (الدلالي/السياقي) |
التوصيف | هما كلمة واحدة تكررت مرتين (مع فارق التعريف والتنكير). | هما وحدتان معجميتان مختلفتان تماما ومستقلتان دلاليا. |
العلاقة | علاقة اشتقاقية صرفية (الحروف والوزن نفسهما). | علاقة تباين دلالي حاد (يوم القيامة برهة من الزمن) |
الوظيفة في المعجم | تندرجان تحت المادة اللغوية نفس في المعجم القديم (س و ع). | يجب أن تُفردا بمدخلين دلاليين منفصلين تماماً في المعجم الحديث؛ لتجنب الخلط. |
جاء في البيان والتبين (الجاحظ. 1998. ج 3 ص 167) قول سعيد المخزومي:
« حدق الآجال آجال ... والهوى للمرء قتَّال »
( الآجال ) هنا كلمة واحدة، لكنها تمثل وحدتين معجميتين: الأولى جمع والمفرد ( إِجْل ) بكسر الهمزة وهو البقر الوحشي، والأخرى جمع والمفرد ( أجَل ) وهو العمر، وفي القرآن أمثلة كثيرة كاستعمالات الوحدة المعجمية ( الأمة ) بمعانٍ مختلفة حسب السياق، وقد جاءت بمعنى:
- الجماعة من الناس، وهو الاستعمال الأكثر مجيئا في القرآن، كقوله تعالى: ﴿ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولٌ ﴾ (سورة يونس: 47).
- البرهة من الزمن والمدة الزمنية، كقوله تعالى: ﴿ وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ ﴾ (سورة يوسف: 45).
- الرجل المقتدى به والإنسان الجامع لخصال الخير الذي يأتم به الناس في الهدى، كقوله تعالى: ﴿ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً ﴾ (سورة النحل: 120).
- الشريعة والطريقة والدين والمذهب، أو المنهج الذي يسير عليه الناس، كقوله تعالى:﴿ إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ ﴾ (سورة الزخرف: 22).
قد تكون الوحدة المعجمية أصغر من الكلمة كـالجذر، أو تكون مساوية لها، أو تأتي أكبر منها كـالتركيب المسكوك الذي يتميز بميزتين رئيستين تجعلانه وحدة معجمية واحدة مع تعدد كلماته، وهما:
1- عدم قابليته للتجزئة الدلالية فمعنى التركيب ككل لا يساوي مجموع معاني كلماته المفردة، ولو تُرجمت الكلمات حرفيا لضاع المعنى تماما، كقولك: فلان كثير الرماد، فدلالة الكلمات منفردة: ( فلان ) + ( التركيب الإضافي )، ودلالة التركيب المسكوكة ( الكرم ).
2- ثبات التركيب وجموده فلا تتغير عناصر التركيب، ولا يستبدل بمفردة مرادفها، كقولك: ( ذهبَ أدراجَ الرياح )، أي: أي ضاع سدى، فلا يمكن لغويا أن تقول: مشى أدراج الرياح، أو ذهب خطوات الرياح، فالقالب اللفظي تجمد تاريخيا على هذه الهيئة حصرا.
ينقل عادل ساحلي (2017. ص 94) عن جاکندوف أن الوحدة المعجمية تمتاز بمجموعة من الخصائص، وهي:
- أصغر أو أكبر من الكلمات النحوية.
- ليست كل الكلمات النحوية وحدات معجمية.
- هناك وحدات معجمية مركبة، لكنها بدون محتوى صوتي.
إن مصطلح الوحدة المعجمية حديث النشأة علميا، إلا أن جوهره الفلسفي والتطبيقي كان حاضرا في وعي الفكر النحوي والمعجمي العربي القديم، وتجلى تطبيقيا في أبواب عدة، فقد فطنوا أن أسماء الإشارة والموصولات لا تستقل بمعناها، بل تحتاج إلى ما يلحق بها؛ لتحقق الوحدة الدلالية المقصودة.
كان علماء العربية مدركين أنَّ دلالة الكلمة وتأثيرها التأثير الدقيق لا يتجلى وهي بمعزل عن أخواتها، ولا يتحدد إلا في ضوء وضع الكلمة في سياق ما، وفي ضوء تجاورها مع كلمات أخرى، فدلالة أي كلمة مفردة هي دلالة معجمية، لكن تكتسب دلالة جديدة بتغير السياق، فاختلاف نظم المفردات مع بعضها أو تغيير السياق، كل ذلك يؤدي إلى تغيير المعنى، فالكلمة تستمد قيمتها الوظيفية والجمالية من خلال السياق الذي ترد فيه؛ لأنَّ فهم الكلمة الحقيقي مستمد من الخبرة الفعلية والمعرفة بمظاهر الواقع الذي تنتمي إليه (فرج. 2007. ص 40).
يؤكد هذا ما قاله دي سوسير:« إن علامة ما هي قبل كل شيء ما تكونه العلامات الأخرى، فاللغة منظومة لا قيمة لمكوناتها إلا بالعلاقات القائمة فيما بينها» (1984. ص 89)، فهو ينظر إلى اللغة على أنها « نتاج اجتماعي لملكة الكلام، ومجموعة المواضعات التي يتبناها الكيان الاجتماعي؛ ليتمكن الأفراد من ممارسة هذه الملكة » (دي سوسير. 1984. ص 21)
أدرك علماؤنا ما أدركته الدراسات اللغوية الحديثة، فهم يرون أن الكلمة تحيا بين أخواتها على رأي علمائنا العرب القدماء، وقد قالوا: « لكل مقام مقال » و«لكل كلمة مع صاحبتها مقام» (السكاكي. 1983. ص 169، والقزويني. د. ت. ص 12)؛ لأن معنى الكلمة يتعدد تبعا لتعدد السياق الذي تقع فيه، أو بعبارة أخرى تبعا لتوزعها اللغوي (عمر. 1993. ص 69)
إن تعدد التوجيه وقابلية اللفظ الواحد لكي يحقق مستويات لغوية مختلفة خاصية جوهرية في الألسن البشرية المختلفة، فلم تشذ العربية عن هذه القاعدة، فلو تأملنا الأمثلة الآتية:
1- أقام الفتى.
2- قال الرجل الظهرَ.
3- صار الأب حنانا.
4- ما أحسن الفتى.
إن هذه التراكيب محتملة القراءة؛ فالمحلل يجد نفسه أمام قراءتين في الأمثلة الثلاثة الأولى، وأمام ثلاث قراءات في المثال الرابع، والعلة في هذا التعدد ناشئة من تداخل المستويات اللغوية، ففي التركيب ( 1 ) يتردد المحلل بين الإخبار والإنشاء، و( الفتى ) على الإخبار مفعول به، وعلى الإنشاء يشغل محل الفاعل.
في المثال ( 2 ) يجوز في ( الظهر ) قراءتان، هما:
أ- مفعول فيه، فيكون الفعل: قال من يقيل، فيكون الظهر وقت القيلولة.
ب- مفعول به، فيكون الكلام مخرجا على الإغراء فيكون الفعل: قال من يقول، فيكون الظهر واقعا في حيز جملة، محذوفة الصدر كأن يكون التقدير: الزم الظهر فهو ( مفعول به ).
أو يكون على المعنى ( نم الظهر )، والأصل: نم وقت الظهر؛ فلما حذف المضاف أقيم المضاف إليه مقامه، وأخذ إعرابه وهذا عربي كثير الوقوع.
يجوز توجيه ( حنانا ) في المثال ( 3 ) وجهان، هما:
أ- خبر الناسخ الفعلي، إمَّا على تقدير محذوف أي: صار ذا حنان وإما على المبالغة والادعاء، فالفعل صار من يصير بمعنى يتحول، فيكون الفعل تحويليا.
ب- مفعول لأجله، والفعل لازم بمعنى مال، وعَطَف، ومضارعه يصور، فينتصب ( حنانا ) مفعولا لأجله مبينا العلة.
أما المثال الرابع فالتعدد لغياب الحركة الإعرابية ومسرح الأحداث وعلامات الترقيم، إذ يجوز فيها ثلاث قراءات:
أ- (التعجب) ما أحسنَ الفتى ! (بنصب الفتى)، ليعبر المتكلم عن دهشته من حسن الفتى.
ب- (النفي): ما أحسنَ الفتى (برفع الفتى)، وهنا يخبر المتكلم أن الفتى لم يفعل الحسنى.
ج- (الاستفهام) ما أحسنُ الفتى ؟ (بجر الفتى وضم أحسن)، وهنا يسأل المتكلم عن أي شيء هو الحسن في الفتى.
من هذا ما تلحظه في قوله تعالى: ﴿ مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ﴾ (سورة المسد: 2)، إذ يتباين المعنى المكتنف هذا التركيب الشريف بتباين التنغيم، وغياب العلامة الإعرابية مما أشكل على المعربين؛ فترددوا في تخريج ( مَا ) في هذا السياق بين وجهين متباينين:
أ- هي استفهامية، والمعنى المتعين من هذه الآية: أيُّ شيء أغناه عنه ماله يوم القيامة ؟
ب- هي نافية، كقولنا: ما جاء محمد، والمعنى: لم يغنِ عنه ماله وما كسب، والمعنى لمحض النفي، وقد أخبر بذلك متأسفا على ماله الذي لم ينفعه، و( مَا ) نافية لا موضع لها.
يمكن لمتتبع تراكيب العربية الملبسة أن يلحظ ضربين من اللبس، هما:
الأول: اللبس القائم على مستند لفظي.
الآخر: اللبس القائم على معنى الجملة الصرف.
يحدث تعدد توجيه الوظيفة الإعرابية في تراكيب العربية؛ لاحتمال لفظة ما أكثر من قراءة، فالتعدد يعود إلى المفردة لا إلى الجملة، كقوله تعالى: ﴿ مَا أَغْنَى فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى ﴾ (سورة الأعلى: 5)، فموطن الشاهد لفظة ( أحوى ) حيث تندرج تحت مظلة المشترك اللفظي، فهي تحمل دلالتين إمَّا أن تكون بمعنى الأسود من الجفاف واليبس، وإمَّا أن تكون بمعنى الأسود من شدة الخضرة، وعلى هذا فالتركيب في مثل هذا يعود إلى بنيتين عميقتين، هما:
أ- الأصل أخرج الله الزرع، فجعل الله الزرع ( غثاء أحوى )، فيوجه على أنه نعتٌ لغثاء.
ب- الأصل: أخرج الله الزرع أَحْوى فجعله غثاءً، فيكون حالا من الزرع.
يقول القيسي: « فَجعله غثاء أحوى الْهَاء وغثاء مفعولان لجعل لِأَنَّهُ بِمَعْنى صير وأحوى نعت للغثاء بِمَعْنى أسود وَقيل أحوى حَال من المرعى وأحوى بِمَعْنى أَخْضَر أَي أخرج خضرته فَجعله غثاء والغثاء الهشيم كغثاء السَّيْل » (1985. ح 2 ص 813)
أما السبب الآخر المنشئ لتعدد توجيه الوظيفة الإعرابية فينشأ من اللبس القائم على معنى الجملة الصرف، فهو لبس لا يقوم على مستند لفظي، أي: أن التعدد يكون ناتجا من احتمال الجملة أكثر من قراءة، كقوله تعالى: ﴿ وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ ﴾ (سورة الشعراء: الآية 22).
يتردد معنى الآية بين الاستفهام والإخبار، مما يؤدي إلى تعدد التوجيه، إذ يجوز فيها قراءتان، تكون النغمة الخطابيّة في الأولى مستوية هادئةً لا انفعال فيها، فالمعنى على الإقرار، فهو خبر على سبيل التهكم؛ أي: إن كانَ ثَمَّ نعمةُ فليسَتْ إلا أنَّك جَعَلْتَ قومي عبيدًا لك، فتكون (أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) منصوبة بإضمار أعني، أو هي خبر مبتدأ مضمر؛ أي: هي أن عَبَّدْتَ، والجملة منفصلة عن سابقتها؛ لما بينهما من كمال الاتصال، فالثانية جاءت بيانا للأولى.
قد تحمل الآية على الإقرار فتشير إلى اجتزاء من السياق البنيوي، فكأن موسى (u) عدَّها نعمة؛ حيثُ ربَّاه، ولم يستعبده، والمعنى: هي نِعْمَةٌ؛ إِذ ربَّيتني ولم تستعبدني كاستعبادك بني إِسرائيل؛ فـ( أَنْ ) تدل على المحذوف، كقولك: أن تَضرب بعض عبيدك، وتترك الآخر، فيقول المتروك: هذه نعمة عليَّ أن ضربتَ فلانًا، وتركتني، ثم تحذف (وتركتني)؛ لأن المعنى معروف.
أمَّا القراءة الأخرى فالنغمة الخطابيّة فيها مرتفعة، وهذا يعني أنّ في الكلام حذفًا لهمزة الاستفهام، والكلامُ إنشائيٌّ بالاستفهام، على الخلاف بين النحاة في هذا الموضع، فالتّقدير« أَوَتِلْكَ نعمةٌ تمنُّها عليَّ، فحرف الاستفهام محذوف لفهم المعنى، أي: كيف تمنُّ عليَّ بالتربية وقد استعبدت قومي؟! ومن أُهين قومُه فقد ذَلَّ، فحَبِط إِحسانُك إِليَّ بتعبيدك قومي، فتكون جملة (أَنْ عَبَّدتَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ) مجرورة بباء مقدرة، أي: بأَنْ عَبَّدْتَ، أو هي بدل من هاء (تَـمُـنُّها) » (الأخفش. 1985. ج 2 ص 426).
إنَّ الضرب الأول من اللبس يعالجه النحو بتحليل المفردات واختلاف قراءاتها، أما الضرب الثاني فيعالجه النحو بتحليل السياق وقرائن المعنى التي تفرق بين الأغراض النفسية والمقاصد التواصلية للمتكلم، وسنسلط الضوء في المبحث الثالث من هذا العمل على تعدد الأوجه الإعرابية في المستوى المعجمي، لصلاحية الوحدة المعجمية لأكثر من دلالة مما يسوق إلى تعدد التوجيه.
المبحث الثالث: القرينة المعجمية ودورها في توجيه الوظيفة النحوية.
ترتبط ظاهرة تعدد الأوجه الإعرابية بتوجيه الدلالة، وتُعدُّ من أبرز ملامح مرونة اللغة العربية واتساع أساليبها بتوليد دلالات متنوعة من مبنى لفظي واحد، مما يُمكّن اللغة من زيادة معانيها دون الحاجة إلى زيادة ألفاظها، فالأوجه الإعرابيّة هي صور لأوجه دلاليّة متعددة (السامرائي. 2000. ص 9)، فهي ليست ترفا عقليا بل ضرورة تفرضها بنية التركيب اللغوي، لارتباطها بالقصد النفسي واستجابة لاختلاف قصد المتكلم، فكل وجه يحدد صورة لدلالة معينة، واختلاف الإعراب يؤدي بالضرورة إلى تباين في المعنى المفهوم.
أدرج اللغويون تعدد حكم المكون الواحد الإعرابي تحت ظاهرة عامة هي ظاهرة اللبس اللغوي، ويمثل اللبس اللغوي في جوهره مشكلة محتملة في تحليل النصوص اللغوية، وقد أثبت علما اللغة التقابلي والمقارن حقيقة أن لغات البشر عموما لا تخلو من اللبس في تراكيبها المختلفة، فثمة -على حد تعبير تشومسكي- كثير من الجمل سواء في اللغة الإنجليزية أو غيرها من اللغات التي لا تقل غموضا عن المعادلة الرياضية (ص × ع + س) إن لم تفوقها في الغموض أحيانا (ليونز. 1985. ص 118).
إن اللبس الحاصل في العبارة الإنجليزية (old men and women) لا يمكن أن يكشف بالاعتماد على اختلاف تراكيب المكونات المباشرة أو الاختلاف في تركيبها الطولي، فهي تحتمل قراءتين:
أ- and women (old men)، فهي تشبه في ذلك المعادلة (ص × ع) + س، وبناء على هذه المعادلة تكون (old) صفة لكلمة (men).
ب- (men and women) old، فهي تشبه في ذلك المعادلة ص (ع + س)، وعلى هذه المعادلة تكون (old) صفة للكلمتين (men and women).
لم تكن اللغة العربية بمنأى عن هذه الظاهرة، فتعدد المعنى بتعدد أوجه الإعراب ظاهرة تشيع في النصوص الأدبية عامة، والآيات القرآنية خاصة، « والأدب العربي مليء بأمثال هذه العبارات المحتملة، والنحو العربي مليء بالشواهد والأمثلة التي فيها إعرابان أو أكثر، أي: لها معنيان أو أكثر» (حسان. 1982. ص 340)
تعود موجبات هذا التعدد في تراكيب العربية إلى أسباب متنوعة، منها ما هو لغوي مرتبط ببنية الكلمة كغياب العلامة الإعرابية، ومنها ما هو خارجي ناتج عن اختلاف القراءات القرآنية، ومنها تعدد المذاهب النحوية، أو يكون السبب تباين الأفهام في إدراك المقاصد، كتعدد توجيه كلمة ( الأَعْلَى ) في قوله تعالى: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى ﴾ ( سورة الأعلى: 1 )، إذ يحتمل الموقع الذي يشغله التابع ﴿ الأعلى ﴾ قراءتين؛ لتداخل فرعين في أصل واحد هو لأحدهما دون الأخر، وقد نتج هذا التداخل لتعذر ظهور الحركة على الاسم مما ساق إلى تنازع المركب بالإضافة هذا التابع، فكل مكون منهما - أي: المضاف والمضاف إليه - يدعي تسلطه عليه، هو لأحدهما دون الأخر، فإن ملأ التابع محل النصب، كان المنعوت هو مجموع المركب بالإضافة، والتقدير: اذكر ( اسْمَ ربك ) الأعلى، ويجوز في القراءة الأخرى أن يكون المتبوع هو المضاف إليه دون سواه، أي: اذكر اسم ( ربك الأعلى )؛ فيملأ التابع محل الجر.
تبرز القرينة المعجمية (أو قرينة المعنى المعجمي) ركيزة رئيسة وموجها جوهريا للوظيفة النحوية وسط هذا التعدد؛ إذ يقرر العلماء أن الإعراب يرتكز على المعنى المعجمي، فكيفما وُجِّه هذا المعنى توجّه الإعراب تَباعا؛ لما بينهما من ترابط، ومع كل الإمكانات التي يمتلكها المعجم لرفع اللبس ومنع تعدد المعنى إلا أنه يظل - في بعض الأحيان - موطنا مرشحا لوجود اللبس، وسنكتفي هنا بثلاثة أمثلة، والأمثلة في القرآن الكريم خاصة كثيرة فحسبنا الآتي:
1- قال تعالى:﴿ وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ ﴾. (سورة البقرة: 49).
2- قال تعالى: ﴿ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ (سورة البقرة: 144).
3- قال تعالى: ﴿ وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فيِهَا ﴾ (سورة النساء: 5).
الشاهد في المثال ( 1 ) لفظة ( سُوَءَ )، وفيها فيه أربعة أوجه (السمين الحلبي .1986. ج 1 ص 345)، هذا التعدد ناتج من تعدد معنى الوحدة المعجمية ( يَسُومُونَ ) وتفصيلها كالآتي:
أ- أن يكون ( يَسُومُونَكُمْ ) بمعنى ألزموكم وكلفوكم، فيتعدى الفعل إلى اثنين كأعطى ومنح، فينتصب ( سُوَءَ الْعَذَابِ ) على أنَّه مفعول به ثان.
ب- أن يكون (يَسُومُونَكُمْ) بمعنى يعلمونكم، أي: من السيماء وهي العلامة، فينتصب (سُوَءَ الْعَذَابِ) بنزع الخافض، أي: يعلمونكم بسوء العذاب، فيجعلونه لكم علامةً.
ج- أن يكون بمعنى يرسلونكم إلى، فهو مأخوذ من قولهم: إرسال الإبل إلى المرعى (الهائم المصري. 1992. ج 1 ص 84)، وعلى هذا يصبح ( سُوَءَ الْعَذَابِ ) منتصبا بنزع الخافض، أي: يرسلونكم إلى سوء العذاب، كما ترسل الإبل إلى المرعى.
د- أن يكون بمعني يعذبونكم فمعنى الآية: يسومنكم سوما سيئا، فيكون ( سُوَءَ الْعَذَابِ ) صفة لمصدر محذوف، وقد جيء به بيانا لهذا السوم، أو يكون يسومونكم سوء العذاب، كقولك: قعدت جلوسا؛ لأنَّ سوء العذاب نوع من العذاب، فيكون نائبا عن المصدر.
الشاهد في المثال ( 2 ) تعدد توجيه ( شَطْرَ )؛ إذ يجوز فيه وجهان، نتيجة تعدد القول في معنى الوحدة المعجمية ( وَلِّ ) ولها معنيان: (السمين الحلبي .1986. ج 2 ص 161)
أ- ( وَلِّ ) بمعنى اجعل وجهك، أو صيِّره، فيكون ( شَطْرَ ) المفعول به الثاني، أو ينتصب على نزع الخافض، أي: وَلِّ وجهَك إلى القبلة.
ب- ( وَلِّ ) بمعنى اصرف أو أقبل، فيكون المفعول فيه، أي: أنَّه منتصب على الظرفية المكانية، والفعل ( وَلِّ ) متعدٍ إلى مفعول واحد، أي: اصرف وجهك.
أما الشاهد في المثال ( 3 ) فتعدد توجيه ( قِيَامًا )، وفيه وجهان إعرابيان: (السمين الحلبي .1986. ج 3 ص 580) أن تكون المفعولَ به الثاني، ويكون (جَعَلَ) بمعنى (صَيَّرَ)، أي: صَيرها الله لكم قياما، ويكون تقدير الكلام: جعلها الله شيئا تقومون به، فلو ضيعتموه لضعتم.
يجوز فيها أن تكون حالا لمفعولِ الفعل ( جَعَلَ ) المضمن معنى ( خَلَقَ )، أي: خلقها اللَّهُ لَكُم قِيَامًا، فتكون الأموال على هذا الوجه من جنس ما جَعلَه اللَّهُ لَكُم قِيَامًا، وزِيد في المبالغة حتى جُعل ما به القيام قِيامًا، فكأنها في أنفسها قِيامكم وَانْتِعَاشكم.
يدل الوجه الأول على التحول بعد الخلق، أما الآخر فإنه يدل على الإيجادِ والخلقِ، وعلى هذه الحالة ( قِيَامًا )، أي: تَقُومونَ بها، هذا إلى جانب الخلاف في قراءة ( قِيَامًا ).
ما قيل في توجيه ( قِيَامًا ) يقال في توجيه ( ضَعِيفًا ) في قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنْسَانُ ضَعِيفًا ﴾، فإنه يوجه على تضمين ( خُلِقَ ) معنى ( جُعِلَ )، فتكون ( ضَعِيفًا ) انتصبت على المفعول الثاني (ابن عطية. 2001 ج 2 ص 41).
يجون أن يكون ( خُلِقَ ) على بابه، ويجوز في ( ضَعِيفًا ) ثلاثة أوجه: (أبو حيان. 2001. ج 3 ص 228، والسمين الحلبي .1986. ج 3 ص 228)
أ– أن تكون منصوبة حالا مؤكدة من الإنسان.
ب– أن تكون منصوبة تمييزا.
ج – أن تكون منصوبة على بنزع الخافض، فهي مجرورة في الأصل، ثم حذف حرف الجر، فأصبحت منصوبة.
إن تعدد توجيه ( شَطْرَ وقِيَامًا وضعيفا ) الإعرابي يرجع إلى المستوى المعجمي فهو المسؤول عن هذا التعدد، وهذا يؤكد اشتراكية هذا المستوى في وقوع اللبس، وحسبنا بعض الأمثلة لما سيأتي، فالهدف الاستشهاد لا الاستقصاء. ويمكن أن نرصد سببين رئيسين إلى التعدد الحاصل في الوحدة المعجمية، وهما:
3. 1. اشتراك الوحدة المعجمية في أكثر من وظيفة إعرابية.
3. 2. إعطاء الوحدة المعجمية حكم غيرها.
3. 1. اشتراك الوحدة المعجمية في أكثر من وظيفة إعرابية.
يؤدي لَبس الأدوات النحوية الناتج عن اشتراكها اللفظي في أداء أكثر من وظيفة إعرابية دورا جوهريا في تعدد الأوجه الإعرابية، ويعد هذا الاشتراك مصدرا من مصادر السعة والمرونة في اللسان العربي، حيث يسمح للمبنى اللفظي الواحد بأن يحمل دلالات متنوعة تخدم مقاصد المتكلم، وهو أداة طيّعة تمنح اللغة العربية قدرتها الفائقة على الجمع بين دقة النظام النحوي وسعة الاحتمال الدلالي، وسنكتفي بخمسة أمثلة، وهي الآتي:
1- قال تعالى: ﴿ فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ﴾ (سورة البقرة: 38).
2- قال تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ ﴾ (سورة البقرة: 285).
3- قال تعالى: ﴿ وَابْتَلُوا اليَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ﴾ (سورة النساء: 6).
4- قابلت أصدقائي عدا حمزةَ.
5- كم فتى قابلت.
الشاهد في المثال ( 1 ) لفظة ( مَن ) التي تتردد بين الشرطية والموصولية، ولكن الموصولية تترجح بالنظر إلى تتابع السياق، فتكون مناظرة ومقابلة للموصول في الآية التالية، وهي قول الحق: ﴿ وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُوا ﴾، ويرجح السمين الحلبي شرطيتها، يقول: « يجوزُ أَنْ تكونَ شرطيةً وهو الظاهرُ، ويجوز أَنْ تكونَ موصولةً، ودَخَلَت الفاءُ في خبرِها تشبيهاً لها بالشرطِ، ولا حاجةَ إلى هذا » (1986. ج 1 ص 302)، فإن كانتْ شرطيةً كان ( تبع ) في محل جزم، وكذا ( فلا خَوْفٌ )؛ لكونِهما شرطا وجزاء، وإنْ كانت موصولةً فلا محلَّ لـ( تَبِع ).
في المثال ( 2 ) تتردد ( الواو ) في قوله تعالى: ( وَالْمُؤْمِنُونَ ) أن تكون عاطفة أو استئنافية؛ ويجوز في ( الْمُؤْمِنُونَ ) أن تشارك ( الرَّسُولُ ) في الحكم والإعراب، وجملة ( كُلٌّ آمَنَ ) مكونة من مبتدأ وخبر، يدل على أنَّ جميع من تقدم ذكره آمن بما ذكر، ويجوز فيها أن تكون ( واو ) الاستئنافية، ويرتفع ( الْمُؤْمِنُونَ ) على الابتداء، فهو مبتدأ أول، و( كُلٌّ آمَنَ ) جملة صغرى خبر للمبتدأ، والرابط محذوف، أي: كل منهم.
الشاهد في المثال ( 3 ) جملة ( إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ )، وباعث تعدد التوجيه هنا هو الاختلاف في وظيفة ( حَتَّى ) الداخلة على ( إِذَا )، فقد ذُكِر أن في ( حَتَّى ) الداخلة على ( إِذَا ) وجهين إعرابيينِ (السمين الحلبي .1986. ج 3 ص 583) باختلافهما التوجيه يختلف المعنى، إذ يجوز أن تكون ( حَتَّى ) حرف ابتداء، ودخلت على الشرط وجوابه، أي: وابتلوا اليتامى إلى وقتِ بلوغِهم، واستحقاقِهم دفع أموالِهم بشرط إيناس الرشدِ.
أجاز المعربون في ( حَتَّى ) أن تكون حرف جر وغاية، وما بعدها مجرور بها، وعلى هذا القول « ( إِذَا ) تتمحض للظرفية، ولا يكون فيها معنى الشرط »، ذكره أبو حيان (2001. ج 3 ص 172)، وكلامه يدل على أنها ظرف مجرد ليس فيها معنى الشرط، وسبقه في ذلك ابن عطية (2001 ج 2 ص 10).
الشاهد في المثال ( 4 ) كلمة ( حمزة )، يجوز فيها الجر، وتجري ( عدا ) على الحرفية، وما بعدها مجرور لفظا، منصوب محلا على الاستثناء، ومن قرأ ( حمزة ) بالنصب فـ( عدا ) معه فعل، والنصب إشارة إلى فعليتها.
أما الشاهد في المثال ( 5 ) فكلمة ( فتى ) يجوز أن تكون تمييزا منصوبا أو مضافا إليه مجرورا، وهذا التعدد ناشئ من اشتراك ( كم ) بين الإنشائية والخبرية، فعلى الإنشائية تنصبه فيكون تمييزا لها، وعلى قراءة الخبرية تجره فيكون مضافا إليه، ولعل غياب القرائن المائزة بين التراكيب يسهم في تردد العمل اللغوي بين القوى، ومن أهم هذه القرائن غياب التنغيم والحركة الإعراب (أو تغيب علامات الترقيم)، فالتنغيم لا ينشئ علاقات نحوية ليست موجودة، لكنّه يختار بعض العلاقات النحوية القابعة تحت السّطح المنطوق، ويظهر تأثيرها في مواطن كثيرة، كهجاء الفرزدق جريرًا (ديوانه، ص 312):
« كَمْ عَمَّـةٍ لَكَ يَا جَرِيـرُ وَخَالَـةٍ . . . فَدْعاءَ قَدْ حَلَبَتْ عَلَىَّ عِشَارِي »
جاء في كتاب تحصيل عين الذهب: « يَجوزُ في قولِهِ: ( كَمْ عَمَّةٍ ) الرَفْعُ والنَصْبُ والجَرُّ، فالرَفْعُ على الابتداءِ، وتكونُ ( كَمْ ) لتكثيرِ المِرارِ، والتقديرُ كَمْ مَرّةً حَلَبَتْ عليَّ عِشاري عَمَّةٌ لكَ وخالَةٌ. والنَصْبُ على أنْ تجعَلَ ( كمْ ) استفهامًا أو خبرًا في لغة مَنْ ينصبُ بها في الخبرِ. والجَرُّ على أنْ تكونَ ( كمْ ) خبرًا بمنزلة ( رُبَّ ) » (الشنتمري. 1994. ص 298)
إن دلالة التنغيم تظهر في (كَمْ عمة)، وقد روي (عَمَّة) بالحركات الثلاث؛ فالرفع على معنى (كم مرة قد حلبت عشارى علي عماتك) والنصب على الاستفهام، والجرُّ على الخبرية، وثَـمَّ بون بين دلالة الاستفهام والخبر، والذي يحدد ذلك هو النغمات الصوتية التي يؤدَّى بها، فالاستفهام للعلم بما يجهله المتكلم، ويُعْلِمُهُ السامع المخاطب، والإخبار الذي يعلمه المتكلم علم اليقين، ويجهله السامع أو المخاطب، أو إخبار السامع بمعرفة المتكلم القضية المطروحة.
إن الفرق بين كم الاستفهامية وكم الخبرية - بعيدا عن الاحتكام إلى الحركة الإعرابية - إنما يتأتى بكون كل واحدة منهما تحتوي على أداء معين بها تتميز، وفيها نغمتان:
أ- مستوية إخبارية، أي: كَمْ عَمَّةٍ ← نغمة مستوية ← خبرية.
ب- صاعدة استفهامية تهكمية، أي: كَمْ عَمَّةً ← نغمة مرتفعة ← استفهامية.
3. 2. إعطاء الوحدة المعجمية حكم غيرها.
ينتج هذا اللبس من اشتراك معهود في الوحدات المعجمية ومتأصل فيها فلا يكون للمتكلم مسؤولية في هذا التعدد والاشتراك، وقد ينشأ هذا اللبس بالتضمين النحوي؛ حين تشرب لفظة معينة معنى لفظة أخرى، فتكتسب وظيفتها النحوية المضمنة مع بقاء معناها الأصلي، وهذا يسهم في تعدد قراءة الجملة، جاء في مغني اللبيب « قد يُشربون لفظا معنى لفظ آخر، فيعطونه حُكمه، ويسمّون ذلك تضمينا، وفائدته أن تؤدي كلمة مؤدى كلمتين » (ابن هشام. 1985. ج 2 ص 446)، وقيل: هو « أن يؤدي فعل أو ما في معناه مؤدى فعل آخر أو ما في معناه، فيعطى حكمه في التعدية واللزوم » (حسن. د. ت. ج 2 ص ص 169 - 170).
إن ظاهرة التضمين النحوي في العربية كثيرة، ولا سيما القرآن الكريم، ومنه ما تلحظه في قوله تعالى: ﴿ وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلاَقَ ﴾ ( سورة البقرة: 227 )، إذ تعددت أقوال المعربين، وأجازوا في الطلاق وجهين (أبو البقاء. 1986. ص 57)، أن يكون منصوبا على نزع الخافض؛ لأنَّ الفعل ( عَزَم ) يتعدى بـحرف الجر ( على )، أو أن يكون ( الطَّلاَقَ ) مفعولا به، وهذا الوجه على تضمين ( عَزَم ) معنى نوى، فيكون قد جمع بين معنى الإرادة والجدة في تنفيذه.
من أمثلة هذه الظاهرة الفعل ( سَمِعَ ) الذي في أصله فعل متعد بنفسه، ولكن قد يعدل عن هذا الأصل فيرد الفعل ( سمع ) قاصرا، ويتعدى بـحرف جر، فنقول بعد الرفع من الركوع: سمِع اللهُ لمن حمِده، حيث تعدي الفعل باللام، وقد يتعدى بـ( إلى ) كقوله تعالى: ﴿ لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى ﴾ ( سورة الصافات: 8 ).
إن الفعل ( سمع ) في الأول فارق أصله، ذلك أنه جاء مضمنا معنى ( استجاب ) فأخذ حكمه، فتعدى بتعديته؛ لأن الفعل استجاب يتعدى بـ( اللام )، تقول: استجاب للأمر، وبهذا التضمين يكون الفعل سمع جمع بين معنى السماع والاستجابة؛ لأنك تطلب من الله السماع والإجابة، فليس كل سماع استجابة، فأنا قد أسمعك، ولا أستجيب لك، بخلاف أسمع لك، أي: أستمع، وأجيب، لأَن غرض السائل الإجابة والقبول.
أما في الآية فقد ضُمِّن الفعل ( يَسَّمَّعُونَ ) معنى ( يصغون )؛ لأن السمع هو إدراك المسموع والسمع - أيضا - اسم الآلة التي يسمع بها، والإصغاء هو طلب إدراك المسموع بإمالة، فهو في الآية يقطع عنهم طلب الاستماع، لأنه يقال: صغا يصغو إذا مال وأصغى غيره.
يرى مجمع اللغة العربية أن التضمين قياسي لا سماعي، وهو يقع بشروط ثلاثة: (فاضل. 2005. ج 1 ص 204)
الأول: تحقق المناسبة بين الفعلين أو ما في معناهما.
الثاني: وجود قرينة تدل على ملاحظة الفعل الآخر ويؤمن معها اللبس.
الثالث: ملاءمة التضمين للذوق العربي.
يوصي مجمع اللعة العربية بألَّا يُلجأ إلى التضمين إلا لغرض بلاغي، فهو لا يأتي إلا لأمر بلاغي مراد، وهذا ما أكده صاحب الكشاف عند تفسيره قول الحق: ﴿ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ ﴾ (سورة الكهف: 28)، يقول: « فإن قلت: أي غرض في هذا التضمين، وهلا قيل: ولا تعدهم عيناك، أو لا تعد عيناك عنهم؟ قلت: الغرض فيه إعطاء مجموع معنيين وذلك أقوى من إعطاء معنى فذٍّ ألا ترى كيف رجع المعنى إلى قولك: ولا تقتحمهم عيناك مجاوزتين إلى غيرهم، ونحوه قوله تعالى: ﴿ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ ﴾ (سورة النساء: 2)، أي: ولا تضموها إليها آكلين لها» (الزمخشري. 2006. ج 2 ص 481).
سنكتفي للتمثيل على هذه الظاهرة بثلاثة أمثلة، وهي شائعة كثيرة، والشواهد هي الآتي:
1- قال تعالى: ﴿ وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً ﴾ (سورة النساء: 95)
2- قال تعالى: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ (سورة الأعراف: 16).
3- قال تعالى: ﴿ عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً﴾ (سورة الإنسان: 6)
الشاهد في المثال ( 1 ) لفظة ( أَجْرًا )، أجاز المعربون أن تكون مفعولا به ثانيا، وهذا على تضمين (التَفْضيل) معنى الإِعطاء، والمعنى: أَعْطَى اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ أَجْرًا (السمين الحلبي .1986. ج 4 ص 77)، ويجوز أن تبقى لفظة ( فَضَّلَ ) على أصلها، ويجوز في ( أَجْرًا ) أوجه، وهي أن تكون منصوبة على المصدرية من معنى الفعل الذي قبله لا من لفظه وهو (فَضَّل)؛ لأن الفضل بمعنى: الأجر، فيكون المعنى: آجَرَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا.
يصح في ( أَجْرًا ) أن تكون حالا من النكرة ( دَرَجَاتٍ )، وقد كانت صفة لـ( دَرَجَاتٍ )، وهي مصدر موصوف به، كما تقول: هذا رجل عدل، فلما تقدمت الصفة على الموصوف النكرة نصبت على الحالية. وهذا تخريج الزمخشري الذي يرى أن: « نصب ( أَجْرًا عَظِيمًا ) على أنه حال من النكرة التي هي ( دَرَجَات ) مقدمة عليها» (الزمخشري. 2006. ج 1 ص 554).
الشاهد في المثال ( 2 ) لفظة ( صِرَاطَكَ )، وفيها تخريجان يرتبطان بمعنى ( لَأَقْعُدَنَّ )، إذ يجوز أن يكون الفعل مستخدما على أصل وضعه، ويكون ( صِرَاطَكَ ) منصوبا على إسقاط الخافض، والمعنى الكلي: لأقعدن لهم على صراطك المستقيم، كما تقول: ضُرِب زيدٌ الظهرَ والبطنَ، أي: على الظهر والبطن.
يجوز في ( لَأَقْعُدَنَّ ) أن يضمن معنى فعل متعدٍّ، والتقدير: لألزمَنَّ صِراطك المستقيم بقعودي عليه، ويوجه ( صِرَاطَكَ ) على أنه منصوب على المفعول به، والعلة في هذا العدول أن القعود هو الثبوت في مكان، لكنه قد يزول، لهذا احترس بهذا العدول؛ ليفيد معنى اللزوم، أي سألزمه لا أنصرف عنهم.
الشاهد في المثال ( 3 ) لفظة ( يَشْرَبُ )، ويجوز أن يكون على أصل وضعه أو مضمنا معنى الفعل يتلذذ (السمين الحلبي. 1986. ج 6 ص 441)، فإن كان على أصله وضعه، فيجوز في ( الباء ) أن تكون مزيدة، أي: يَشْرَبُها، ويقويه قراءة ابن أبي عبلة ( يَشْرَبُها ) مُعَدَّى إلى الضمير بنفسِه، أو تكون ( الباء ) بمعنى ( مِنْ )، أي: يشرب منها.
أما على تضمين ( يَشْرَبُ ) بمعنى: يتلذذ، فالمعنى: يَلْتَذُّون بها شاربين، أو يكون مضمنا معنى ( يروى )، وتكون الباء على أصل وضعها، أي: يروى بها عبادُ اللَّهِ؛ لأن يَشْرَبُ في أصل وضعه لا يتعدى بالباء، ولعل سر التضمين ليأتي المعنى جامعا بين الشرب والتلذذ أو الشرب والري؛ لأنك قد تشرب ولا تتلذذ، كما أنك تشرب ولا ترتوي، فعدل عن الأصل إلى التضمين ليجمع بين الحقيقة والمجاز بلفظ واحد، وفي ذلك اختصار في اللفظ، وتوسيع في المعنى.
إن مبعث التعدد في الأمثلة السابقة من هذه المباحثة ناشئ من صلاحية بنية الوحدة المعجمية السطحية لأكثر من دلالة منطوقة، وليس في التركيب ما يرجح دلالة على أخرى؛ مما ساق إلى تعدد احتمال الدلالة، في ضوئها يتعدد التوجيه الإعرابي.
هذا وتبقى قضية تعدد الوظيفة الإعرابية في تراكيب العربية ملمحا لغويا يشيع في نصوص العربية عامة، والنص القرآني خاصة، وهي ظاهرة حاصلة على مستويات اللغة بشكل مقصود أو غير مقصود، وقد يشترك مستويان أو أكثر في تعدد توجيه تركيب ما، مما يمنح اللسان العربي المرونة والاتساع، ويضمن ثراء المعجم وسعة التركيب، محولا البنى السطحية فضاءات دلالية رحبة تخدم أغراض الخطاب بكفاءة عالية.
خاتمة البحث وتوصياته
الإعراب ميزان العربية والقانون الحاكم لتراكيبها، وهو ليس مجرد حركات صوتية عبثية، بل مورفيم دلالي يربط بين البنية اللفظية والمقاصد النفسية الكامنة في ذهن المتكلم، وتعد ظاهرة تعدد الأوجه الإعرابية مظهرا من مظاهر المرونة والاتساع في اللسان العربي، إذ تمنح النص قدرة فائقة على استيعاب معانٍ متعددة ضمن أبنية موجزة، مما يجعله أداة طيعة للاختصار الوظيفي والإيجاز البياني، ولا سيما في النص القرآني.
جاء مفهوم الوحدة المعجمية في الدراسات اللسانية الحديثة بديلا علميا دقيقا لمفهوم الكلمة التقليدي؛ إذ تبين أنَّ التكامل بين المعجم والنحو هو الركيزة الرئيسة في هندسة المعنى داخل الجملة، فالتعدد الإعرابي ينبع في أصله من صلاحية بنية الوحدة المعجمية السطحية لأكثر من دلالة؛ مما يجعل الإعراب هو المفتاح الذي يفك انغلاق الألفاظ، ويحقق أمن اللبس، محولا اللغة نظاما بيانيا معجزا.
لمزيد من الإثراء المعرفي لبيان الوظيفة الإعرابية لاتساع معنى الوحدة المعجمية؛ يوصي العمل بالآتي:
أولا: تبني مفهوم الوحدة المعجمية في الدراسات النحوية لتجاوز مفهوم الكلمة الإملائية الجامد والاعتماد على مصطلح الوحدة المعجمية ركيزة رئيسة لربط المستويات اللغوية بدلالة النص الكلية.
ثانيا: تفعيل دور القرينة المعجمية في التحليل النحوي والتأكيد أنَّ الإعراب فرع المعنى المعجمي؛ لذا يجب على الباحثين والمُعربين استنطاق دلالة المفردات أولا لتحديد وظائفها النحوية بدقة ولا سيما حالات غياب العلامة الإعرابية، وغياب مسرح الأحداث.
ثالثا: استثمار تعدد الأوجه الإعرابية في التفسير والبيان بالاتكاء على تعدد الإعراب؛ لكونه إثراءً دلاليا، وليس اضطرابا في القاعدة، واستخدامه أداة لفتح آفاق واسعة لتأويل النصوص العميقة وفهم مقاصدها المتنوعة.
رابعا: تكامل القرائن لرفع اللبس وعدم الاكتفاء بالعلامة الإعرابية وحدها، واستصحاب القرائن الصوتية (التنغيم) وقرائن السياق والمقام؛ لحسم التوجيه الإعرابي في التراكيب الملتبسة.
خامسا: المزاوجة بين التراث واللسانيات الحديثة لتربط البحوث بين نضج الفكر النحوي العربي القديم ودقة النظريات اللسانية المعاصرة؛ رغبة في تطوير أدوات تحليل الخطاب العربي.
المراجع
- ابن جني، أبو الفتح عثمان بن جني. (2012). الخصائص. تحقيق محمد علي النجار. ط 1. بيروت: عالم الكتب.
- ابن عطية، عبد الحق بن غالب بن عبد الرحمن. (2001). المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز. تحقيق عبد السلام عبد الشافي. ط 1. لبنان: دار الكتب العلمية.
- ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكرياء. (1997). الصاحبي في فقه اللغة العربية ومسائلها وسنن العرب في كلامها. علق عليه ووضع حواشيه أحمد حسن بسج. ط 1. بيروت: دار الكتب العلمية.
- ابن منظور، محمد بن مكرم بن علي. (1994). لسان العرب. ط 3. بيروت: دار صادر.
- ابن هشام، عبد الله بن يوسف بن أحمد. (1985). مغني اللبيب عن كتب الأعاريب. تحقيق مازن المبارك ومحمد علي حمد الله. ط 6. دمشق: دار الفكر.
- أبو حيان، محمد بن يوسف. (2001). تفسير البحر المحيط. تحقيق الشيخ عادل أحمد عبد الموجود وآخرين. ط 1. بيروت: دار الكتب العلمية.
- الأخفش، سعيد بن مسعدة. (1985). معاني القرآن. تحقيق عبد الأمير الورد. ط 1. بيروت: عالم الكتب.
- الأعلم الشنتمري، يوسف بن سليمان بن عيسى. (1994). تحصيل عين الذهب من معدن جوهر الأدب في علم مجازات العرب. تحقيق زهير عبد المحسن سلطان. ط 2. بيروت: مؤسسة الرسالة.
- الجاحظ، عمرو بن بحر بن محبوب. (1998). البيان والتبيين. تحقيق عبد السلام هارون. ط 7. القاهرة: مكتبة الخانجي.
- الجبالي، محمد. (2021). الإعراب فرع المعنى أم المعنى فرع الإعراب. مقال منشور بتاريخ 11 أبريل 2021 في ملتقى أهل التفسير:
https://mtafsir.net/threads/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B9%D8%B1%D8%A7
- الجرجاني، عبد القاهر بن عبد الرحمن بن محمد. (2001). دلائل الإعجاز. تحقيق عبد الحميد هنداوي. ط 1. بيروت: دار الكتب العلمية.
- الزَّجَّاجي، عبد الرحمن بن إسحاق. (1986). الإيضاح في علل النحو. تحقيق مازن المبارك. ط 5. بيروت: دار النفائس.
- الزمخشري، محمود بن عمر. (2006). الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل. ضبط وتوثيق أبي عبد الله الداني بن منير آل زهوي. ط 1. بيروت: دار الكتاب العربي.
- الساحلي، عادل. (2017). ثلاث قضايا في الدلالة التصورية. أبحاث لسانية مجلة معهد الدراسات والأبحاث للتعريب بالرباط. العدد 33.
- السامرائي، فَاضل صالح. (2007). الجملة العربية والمعنى. ط1. عمَّان: دار الفكر.
- السامرائي، فاضل صالح. (2000). معاني النحو . ط 2. الأردن: دار فكر.
- السكاكي، يوسف بن محمد (1983). مفتاح العلوم. ضبطه وشرحه نعيم زرزور. ط 1. بيروت: دار الكتب العلمية.
- السمين الحلبي، أبو العباس أحمد بن يوسف. (1986). الدر المصون في علوم الكتاب المكنون. تحقيق أحمد محمد الخراط. ط 1. دمشق: دار القلم.
- السيوطي، جلال الدين عبد الرحمن. (1997). الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية. ط 3. الرياض: مكتبة نزار مصطفى الباز.
- السيوطي، عبد الرحمن بن أبي بكر. (1998). المزهر في علوم اللغة وأنواعها. تحقيق فؤاد علي منصور ط 1. بيروت: دار الكتب العلمية.
- العكبري، أبو البقاء عبد الله بن أبي عبد الله الحسين. (1986) إملاء ما منَّ به الرحمن من وجوه الإعراب والقراءات في جميع القرآن. ط 1. بيروت: دار الفكر.
- العَوْتبي، سَلَمة بن مُسْلِم الصُحَاري. (1999). الإبانة في اللغة العربية. تحقيق عبد الكريم خليفة وآخرين. ط 1. سلطنة عمان: وزارة التراث القومي والثقافة.
- الفراء، يحيى بن زياد. (2003). معاني القرآن. اعتنى به فائق محمد خليل. ط 1. بيروتق: دار إحياء التراث العربي.
-الفرزدق، همام بن غالب. ( 1984). ديوان شعر. ط 1. بيروت: دار بيروت للطباعة والنشر.
- القزويني، الخطيب. (د.ت). الإيضاح في علوم البلاغة المعاني والبيان والبديع. ، د. ط. بيروت: دار الكتب العلمية.
- القيسي، مكي بن أبي طالب. (1985). مشكل إعراب القرآن. تحقيق حاتم صالح الضامن. ط 2. بيروت: مؤسسة الرسالة.
- الكفوي، أبو البقاء أيوب بن موسى (1998). الكليات معجم في المصطلحات والفروق اللغوية. تحقيق عدنان درويش ومحمد المصري. ط 2. بيروت: مؤسسة الرسالة.
- المبرد. محمد بن يزيد. (1994). المقتضب. تحقيق محمد عبد الخالق عظيمة. ط 1. القاهرة: لجنة إحياء التراث الإسلامي.
- الهائم المصري، أحمد بن محمد. (1992). التبيان في تفسير غريب القرآن. تحقيق فتحي أنور الدابولي. ط 1. القاهرة: دار الصحابة للتراث.
- أمين، إسماعيل حميد. (2009). التراكيب التوليدية التحويلية(شعر الراعي النميري)ز. ط 1. الأردن: دار الراية.
- أنيس، إبراهيم. (1978). من أسرار اللغة. ط 6. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
- برجشتراسر. (1994). التطور النحوي للغة العربية. أخرجة وعلق عليه رمضان عبد التواب. ط 2. القاهرة: مكتبة الخانجي.
- بلقاسم، إيمان فاطمة الزهراء. (2022). مصطلح الكلمة في المدارس اللغوية الحديثة. مجلة دراسات معاصرة تصدر عن مخبر الدراسات النقدية والأدبية المعاصرة جامعة تيسمسيلت. الجزائر. المجلد: 06 العدد 01 جوان2022 .
- حسان، تمام حسان. (1982). الأصول. د. ط. القاهرة: عالم مطابع الهيئة المصرية العامة للكتاب.
- حسن، عباس. (. د. ت). النحو الوافي. ط 5. القاهرة: دار المعارف.
- دي سوسير، فردينان. (1984). محاضرات في الألسنية العامة. ترجمة يوسف غازي ومجيد النصر. ط 1. لبنان: دار نعمان للثقافة بجونيه.
- عبده، عبد العزيز أبو عبد الله. (1982). المعنى والإعراب عند النحويين ونظرية العامل. ط 1. طرابلس، ليبيا: منشورات الكتاب والتوزيع والإعلان والمطابع.
- علوش، جميل. (1997). الإعراب والبناء دراسة في نظرية النحو العربي. ط 1. بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر.
- عمر، أحمد مختار. (1993). علم الدلالة. ط 4. القاهرة: عالم الكتب.
- فاضل، محمد نديم. (2005). التضمين النحوي في القرآن الكريم. ط 1. المدينة المنورة: دار الزمان.
- فرج، حسام أحمد. (2007). نظرية علم النص رؤية منهجية في بناء النص النثري. ط 1. القاهرة: مكتبة الآداب.
- ڤندريس، جوزيف. (1950). اللغة. ترجمة عبد الحميد الدواخلي ومحمد القصاص. د. ط. القاهرة: مكتبة الأنجلو المصرية.
- ليونز، جون. (1985). نظرية تشومسكي اللغوية. ترجمة وتعليق حلمي خليل. ط 1. الإسكندرية: دار المعرفة الجامعية.
- وجيه، مأمون عبد الحليم. (1998). ظواهر الغموض ووسائل رفع اللبس في التراكيب العربية دراسة في ضوء التراث النحوي. مجلة علوم اللغة. دار غريب للطباعة والنشر والتوزيع. المجلد 1. العدد 2.
- يوهان فك. (د. ت). العربية دراسات في اللغة واللهجات والأسلوب. ترجمة رمضان عبد التواب. د. ط. القاهرة: مكتبة الخانجي.
