Daily Updates

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

ستقوم مجلة التلميذ الدولية بإصدار عددٍ خاصٍ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر 2025، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين. ويأتي هذا الإصدار احتفاءً بلغة الضاد وإبرازًا لدورها الحضاري ورسوخها في الثقافة والتعليم والإبداع.

2394-6628 مجلة التلميذ مجلة محكمة دولية شهرية صادرة عن وزارة التعليم العالي بولاية جامو و كشمير الهند الرقم الدولي

تعزيز لغة الضاد وتأكيد قدرتها على اقتحام التكنولوجيات

السفارات العربية بالهند

مجلس اللسان العربي بموريتانيا يدعو لسن قانون لحماية اللغة العربية

حفل التدشين الرسمي للمجلة العربية الشهرية مجلة التلميذ

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

August 21, 2026

Follow Us:

Tilmeez is a peer-reviewed international monthly Arabic journal (ISSN 2394-6628), published under the Ministry of Higher Education, Jammu & Kashmir, India.

Follow Us

انطباعات المصلح الهندي السيد أحمد خان عن مصر وأهلها

  د. ثمامة فيصل أستاذ مشارك، بقسم اللغة العربية، جامعة مولانا آزاد الأردية الوطنية، فرع لكناو ____________________________________ bstract: This study examines the impressions of the Indian reformer Sir Syed Ahmad Khan (1817–1898) about Egypt and its people, as recorded in his travel diary to Europe in 1869, during which he passed through several Arab countries,… View Article

انطباعات المصلح الهندي السيد أحمد خان عن مصر وأهلها

 

د. ثمامة فيصل

أستاذ مشارك، بقسم اللغة العربية،

جامعة مولانا آزاد الأردية الوطنية، فرع لكناو

____________________________________

bstract: This study examines the impressions of the Indian reformer Sir Syed Ahmad Khan (1817–1898) about Egypt and its people, as recorded in his travel diary to Europe in 1869, during which he passed through several Arab countries, including Egypt. The research highlights his observations on Egyptian cities such as Suez and Alexandria, their social customs, educational and industrial development, and cleanliness. Sir Syed admired Egypt’s efficient systems and mastery in operating modern machinery, noting that Egyptians excelled because scientific and technical knowledge had been translated into Arabic. At the same time, he criticized the lack of cleanliness and carelessness in public spaces. The study concludes that this journey significantly influenced Sir Syed’s reformist and educational vision, inspiring him to establish modern educational institutions in India, culminating in the founding of Aligarh Muslim University.Keywords: Sir Syed Ahmad Khan, Egypt, Suez, Alexandria, Reform, Education, Arabic Language, Travel, 19th Century.

 

الملخّص: يتناول هذا البحث انطباعات المصلح الهندي السيد أحمد خان عن مصر وأهلها، وذلك من خلال ما سجله في مذكرات رحلته إلى أوروبا سنة 1869م، والتي مرّ خلالها بعدد من البلدان العربية، ومن أبرزها مصر. يعرض الباحث أبرز الملاحظات التي دوّنها السيد أحمد خان عن المدن المصرية التي زارها مثل السويس والإسكندرية، وعن عادات المصريين، وأساليب حياتهم، ومستوى التعليم، والنظافة، والنظام الزراعي والصناعي فيها. كما يوضح البحث أن السيد أحمد خان نظر إلى التجربة المصرية نظرة المصلح المتأمل، فامتدح ما رآه من نظام وإتقانٍ وحُسن استعمالٍ للآلات الحديثة، وانتقد في الوقت نفسه قلة النظافة وانتشار الإهمال في بعض الأماكن العامة. وأبرز البحث أيضًا وعيه بأهمية اللغة في النهضة العلمية، إذ لاحظ أن المصريين برعوا في تشغيل الآلات الصناعية لأن العلوم والفنون تُرجمت إلى لغتهم العربية، وهو ما دعا إليه في الهند لاحقًا. ويخلص البحث إلى أن هذه الرحلة تركت أثرًا عميقًا في فكر السيد أحمد خان الإصلاحي، وكانت مرحلة تأسيسية لمشروعه التعليمي الكبير في الهند، الذي تجسّد في جامعة علي كره الإسلامية.

الكلمات المفتاحية: السيد أحمد خان، مصر، السويس، الإسكندرية، الإصلاح، التعليم، اللغة العربية، الرحلة، القرن التاسع عشر.

               يعتبر السيد أحمد خان من أبرز المصلحين والمفكرين والأكاديميين الهنود الذين سعوا إلى إصلاح الشعب الهندي بوجه عام وإصلاح الأمة الإسلامية بوجه خاص في مطلع العصر الحديث. فرفع رأية الإصلاح في بلاد الهند في الوقت الذي كان يئن فيه الشعب الهندي تحت وطأة الاستعمار البريطاني في النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي. وكانت بلية الاستعمار أشد وأعنف بالنسبة للمسلمين الهنود بحيث أنهم كانوا يحكمون هذه البلاد منذ قرون طويلة، فلما أطاح المستعمرون بحكمهم وكسروا شوكتهم أصبحوا هدفا مباشرا لاعتداءات المستعمرين وخططهم الانتقامية العدوانية الفتاكة. ففي مثل هذه الظروف القاسية والمعادية كانوا في أشد حاجة إلى من يفكر في إصلاح حالهم واستعادة مجدهم المسلوب. فتحمل السيد أحمد خان هذه المسؤولية على كاهله، ووضع خطة إصلاحية جامعة ومكثفة ركز فيها قبل أي شيء آخر على تعليمهم وتثقيفهم بالعلوم الدينية والعلوم العصرية على حد سواء. والحقيقة أنه رغم كل الانتقادات والطعون التي وُجهت إليه بسبب اتخاذه هذه المبادرات الإصلاحية لم يتنح عن عزمه الثابت وإرادته القوية مثقالَ ذرة، ووقف حياته وضحى بكل غال ونفيس من أجل خدمة الأمة الإسلامية والشعب الهندي.

وللاطلاع والتعرف على نظام التعليم الجديد المتبع في الكليات والجامعات البريطانية في إنجلترا قرر السيد أحمد خان السفر إلى مركز العالم وقتذاك؛ لكي يؤسس على غرارها مؤسسات تعليمية في بلاد الهند أيضا. وأثناء هذه الرحلة مر ببلاد عديدة بما فيها مصر، وسجل مذكرات رحلته متحدثا فيها عن مشاهداته مسجلا تعليقاته وانطباعاته. ففي هذا البحث المتواضع تحدثت عما لاحظه وسجله السيد أحمد خان عن مصر على وجه الخصوص. ومع أن ما كتبه عنها في رحلته ليس بكثير لعدم إقامته بها أثناء سفره، إلا أننا نجد فيما كتبه عنها بعض الملاحظات القيمة التي تستلفت انتباهنا وتستوقفنا لكي نتحدث عنها ونستفيد منها.

وقبل الخوض في الحديث عن رحلة السيد أحمد خان وانطباعاته عن مصر، يجدر بنا أن نلقي الضوء على حياته وخدماته بشيء من الإيجاز.

ولد السيد أحمد خان في 5 من ذي الحجة سنة 1232هـ الموافق 17 من أكتوبر سنة 1817م في مدينة دلهي عاصمة الإمبراطورية المغولية في ذلك الوقت. وكان والده من الموظفين في قلعة دلهي زمن الإمبراطور المغولي الأخير بَهادُرْ شاهْ ظَفَرْ[1].

درس السيد أحمد خان الكتب العربية في صغره، وتلقى دروسا في القرآن والحديث والفقه والتفسير من كبار علماء دلهي، ولم يلبث أن أصبح عالما متميزا بفضل ذكائه واجتهاده. وبالإضافة إلى الكتب الدينية قرأ كتب الرياضة والطب أيضا، ثم مال إلى الأدب وشُغف بالشعر الأردوي[2].

ولما توفي والده وهو في الثاني والعشرين من عمره، تعلم المحاماة من خاله، وبدأ يعمل لديه، ونجح في اختبار المحاماة، وعُيِّن محاميا في ديسمبر في 1841م في مَينْ فُورِي[3]. وفي هذه الأثناء حصل على لقب “جواد الدولة عارِفْ جَنْغْ” من قبل الإمبراطور المغولي بهادر شاه ظفر[4].

وخلَّف السيد أحمد خان وراءه عدة مؤلفات قيمة من أهمها كتابه “آثار الصناديد” الذي جمع فيه معلومات دقيقة عن الآثار والأطلال التاريخية الموجودة في مدينة دلهي وضواحيها آنذاك، فتحدث عن تاريخها ووضعها الراهن بالتفصيل، كما تحدث فيه عن بعض من عظماء دلهي وأعيانها. ويعد الكتاب وثيقة تاريخية مهمة للغاية. ونُشر للمرة الأولى في 1847م، ثم ظهرت طبعته الثانية في 1854م، وبالتالي ظهرت ترجمته الفرنسية في 1861م مما يدل على أهمية هذا الكتاب وعلى ما لاقاه من قبول واسع بين الأوساط العلمية في الهند، وبناء على هذا الإنجاز العلمي الباهر اُختير صاحبُنا عضوا في الجمعية الآسيوية الملكية[5].

وله مؤلفات أخرى مثل تفسيره للقرآن الكريم ورسالته في الرد على أوهام وشكوك المستشرق البريطاني وليم مور (Sir William Muir) حول السيرة النبوية، ورسالة تحدث فيها عن أسباب الثورة الهندية التي قامت في 1857م ضد الاستعمار البريطاني بعنوان: “رساله أسباب بغاوت هند”. وأصدر صحيفة باسم “صحيفة المجمع العلمي” من مدينة علي كره مقر المجمع الذي كان قد أقامه بنفسه، كما أصدر مجلة “تهذيب الأخلاق” من علي كره نفسها بهدف غرس مبايء الأخلاق الفاضلة في نفوس أبناء أمته[6].

وأما خدماته في مجال التعليم وتأسيس المؤسسات الأكاديمية والتعليمية فإنها تفوق خدماتِه الأخرى أهميةً ومكانةً، فأولا أسس مدرسة دينية سنة 1859م في مديرية مُرادابادْ بولاية أُترا بَرادَيشْ[7]، ولما نُقل إلى مدينة غازي فُورْ في نفس الولاية سنة 1864م أقام بها مدرسة إنجليزية عصرية[8]. وسبق أن أقام بها في 1863م مجمعا علميا باسم Scientific Society أي المجمع العلمي[9]، وكان من أهم أهداف هذا المجمع ترجمة الكتب العلمية من اللغة الإنجليزية إلى اللغة الأردية الرائجة آنذاك في الهند. وكانت له مطبعة خاصة لطباعة الكتب وطباعة الصحيفة والمجلة التابعتين له[10].

وانتقل السيد أحمد خان إلى علي كره سنة 1864م، ونَقل معه المجمع إليها وأصدر تحت رعايته صحيفة[11]. وفي 1875م أسس مدرسة في علي كره، وهذه المدرسة هي التي تحولت فيما بعد إلى كلية وبالتالي إلى جامعة عظيمة عرفت بجامعة علي كره الإسلامية، وهي التي قال عنها الإمام أبو الحسن علي الندوي في كتابه “المسلون في الهند”: (وأشهر هذه الجامعات وأقدمها وأعظمها تأثيرا في عقلية المسلمين وسياستهم جامعة علي كره الإسلامية التي تعد من أرقى الجامعات في الهند وأوسعها)[12].

وقد سبق أن أشرنا إلى أن السيد أحمد خان كان جلُّ هَمه أن يُخرج أبناء الأمة الإسلامية والشعب الهندي من الذلة والمسكنة التي كانت قد ضُربت عليهم عقب استيلاء الإنجليز على بلادهم، وكان يرى أنه لا يمكن تحقيق ذلك الهدف إلا عن طريق تعليمهم وتثقيفهم بمناهج وطرق حديثة. فكان يَتَحَيَّن الفرصة للسفر إلى إنجلترا ليزور المؤسسات التعليمية فيها مثل الكليات والجامعات ويتعرف على نظام التعليم السائد فيها، وفي هذه الأثناء تم ترشيح نجلَيه السيد حامد والسيد محمود للمنحة الدراسة في إنجلترا من قبل الحكومة البريطانية، فقرر مرافقتهما في رحلتهما إليها.

وخرجوا في هذه الرحلة البحرية في 1 أبريل سنة 1869م ووصلوا إلى مدينة السويس في 23 أبريل سنة 1869م وإلى باريس في 2 مايو وإلى لندن في 4 مايو سنة 1869م[13].

وأثناء إقامته في لندن وجد السيد أحمد خان فرصة سانحة للتعرف على نظام التعليم السائد هناك، فزار الكليات والجامعات والمعاهد والمكتبات والمصانع والأكاديميات، فشاهدها وتعرف عليها عن كثب وبعين فاحصة. وخطط خلال هذه الفترة تأسيس مؤسسات على غرارها عقب عودته إلى الهند[14].

وكان من أهدافه للقيام بهذه الرحلة أنه أراد أن يكتب ردا على كتاب The life of Mahomet (حياة محمد) للمستشرق البريطاني وليم مور (Sir William Muir)، ولم يجد المصادر اللازمة لكتابة هذا الرد في المكتبات الهندية، فانتهز هذه الفرصة وقضى بعضا من وقته هناك في مكتبة المتحف البريطاني في لندن لتجميع المواد الخاصة بهذا الموضوع، وعقب عودته نشر كتابه بعنوان “خطبات أحمدية”[15].

وبالإضافة إلى زيارته للمؤسسات التعليمية في إنجلترا لم تفته زيارة المصانع والمتاحف والآثار التاريخية، وكان يزور كل هذه الأماكن بغاية التأمل والتمعن مستلهما منها متأثرا بها مستشرفا ومتطلعا إلى أن يستثمر هذه الخبرة في إصلاح أمته وبناء مجتمعه وترقية وطنه[16].

والتقى أثناء هذه الرحلة بالأعيان والمشاهير من االكتاب والأدباء والأمراء والوزراء، كما شارك في كثير من المجالس العلمية واللقاءات الأدبية، واكتسب العضوية في بعض الأكاديميات[17].

والحقيقة أنه استعمل كل وقته واستفرغ كل جهده للاستفادة من هذه الرحلة التي امتدت على نحو سنة ونصف، ولم تفته أي فرصة للتفاعل مع الشعب البريطاني والاستفادة منه خلالها.

وكان السيد أحمد خان يسجل مذكرات رحلته، وكان يرسلها في شكل مقالات إلى على كره لكي تنشر في صحيفة المجمع العلمي، فظهرت فعلا بعض منها على صفحاتها؛ إلى أن توقف نشرها بسبب الانتقادات الموجهة إليه من قبل بعض العلماء الهنود. وعلى الرغم من ذلك ظل يسجل مذكرات رحلته، وعقب عودته جمعها ورتبها، ولكنه لم يستطع نشرها في شكل كتاب. وتأخر نشر رحلته إلى إن جمعها ورتبها محمد إسماعيل الباني بتي ونشرها في 1961م من مدينة لاهور. ثم ظهرت لها طبعات أخرى في الهند أيضا بما فيها الطبعة التي اعتمدت عليها في كتابة هذا البحث، والتي ظهرت بعنوان “سر سيد كا سفرنامه مُسافِرانِ لندن” بترتيب أصغر عباس سنة 2019م من مدينة علي كره بالهند.

ومع أن بعض المثقفين الهنود سبقوا السيد أحمد خان إلى كتابة رحلاتهم باللغة الأردية من أمثال يوسف خان كَمْبَلْ بَوشْ ومسيح الدين عَلوي وسيد فِدا حسين والأميرة سِكَنْدَرْ بَيْغَمْ، إلا أن السيد أحمد خان تميز عنهم بسبب خروجه في هذه الرحلة من أجل غاية عظيمة وجليلة، بحيث إن رحلته كانت تمهيدا لحركة إصلاحية وتعليمية واسعة النطاق وعميقة الأثر قامت على يديه في شبه الجزيرة الهندية وساهمت في تغيير مجرى التاريخ بالنسبة للشعب الهندي بوجه عام وبالنسبة للمسلمين الهنود على وجه الخصوص.

لنتحدث الآن عن ملاحظاته وانطباعاته التي سجلها في رحلته بخصوص مصر وأهلها، ولنبدأ بما بدأه السيد أحمد خان حديثه عن مصر، فيحدثنا أولا عن وصول السفينة إلى مدينة السويس وعن الفندق الذي أقام فيه هناك، فيقول:

(وصلنا إلى مدينة السويس بخير في الساعة السابعة صباح يوم الجمعة في 23 من شهر أبريل سنة 1869م. فأرست السفينة، ونزلنا منها جميعا، وودعنا سفينة “بَرَودَهْ” بكل احترام وتقدير، وذهبنا إلى فندق السويس للإقامة فيه، وبدءاً من هنا تَتْبَع المناطقُ لوالي مصر، وأول علامة للولاية التركية التي رأيناها هنا كانت في شكل هذه العبارة المكتوبة باللغة العربية والإنجليزية على حزام حراس الفندق:”Sowis Hotel” “لوكانده لسويس”[18]. ولا أعلم إلى أي لغة تنتمي كلمة لوكانده، لعلها تركية، ولكن المصريين يستعملونها في محادثاتهم وكتاباتهم بمعنى الفندق)[19].

ووصف السيد أحمد خان الفندق الذي أقام فيه في مدينة السويس فقال:

(فندق السويس رائع جدا، تقع فيه المباني في أربع جهات، وتقع فيها الغرف للمسافرين، ويتوسطها فناء فيه أعمدة خشبية نُصِبت في شكل محاريب وشُدَّت عليها الخِيَم، وزُيِّن الفناء كله بالأزهار، وغُرِست هذه الأزهار في صفوف في المزهريات الأرضية والسطول الخشبية والأوعية القَصديرية، ووُضعت في وسطها طاولة صغيرة وبعض الكراسي ليجلس فيها الناس للاستمتاع بهذا المنظر الجميل)[20].

ولما وصل السيد أحمد خان إلى مدينة السويس في 23 أبريل 1869م كان مشروعُ نهر السويس في مرحلته الأخيرة بحيث أنه اكتمل في أغسطس من نفس السنة. فذكر أن بعض الإنجليز الذين وصلوا معه إلى الفندق أرادوا زيارة موقع النهر، وكان يبعد ذلك المكان نحو خمسة أميال من الفندق، فكان يرغب هو الآخَر في زيارة موقع النهر، ولكنه لما علم بعد استفساره من الناس أن الزائر لا يرى في ذلك المكان إلا ما كان يجري هناك من أعمال الحفر، أحجم عن إرادته. والسبب الثاني لإلغائه هذه الزيارة أنه لم يجد عربة يذهب بها إلى ذلك المكان مثلما وجدها رفيقه البريطاني في السفر السيد داد وغيره من الإنجليز. فلم ير أي جدوى في تحمل كل هذا التعب والإرهاق لزيارة هذ المكان بالحمار. وذكر أن بعض المسافرين الإنجليز بما فيهم النساء ذهبوا إلى ذلك المكان بالحمير[21].

وذكر السيد أحمد خان منظرا طريفا وممتعا شاهده في مدينة السويس. وذلك أن أصحاب الحمير لما علموا عن رغبة  هؤلاء الإنجليز في زيارة موقع النهر، سارع إليهم نحوُ عشرةٍ منهم مع حميرهم، وأخذ كل منهم يدفع حماره إلى الأمام وأخذ يصيح بأعلى صوته “حمار جيد ياسيدي! حمار ممتاز يا سيدي!”، وأحدثوا كثيرا من الضوضاء والغوغاء، وأحاطوا بهؤلاء الإنجليز من كل جانب؛ حتى أحسوا بانزعاج شديد، ولم يرتاحوا من هذه المصيبة إلا بعد استئجارهم الحمير من أصحابها[22].

وتحدث السيد أحمد خان عن زيارته لسوق مدينة السويس، وكان سوقا صغيرا وضيقا على حد قوله. ووجد فيه التجار من المصريين والأتراك والألمان واليونان، ولاحظ أن معظم الناس في هذا السوق كانوا يتحدثون بالعربية. وقال إنه تحدث مع بعض منهم بالعربية لوقت طويل. وهذا يدل على قدرته على التحدث باللغة العربية. والحقيقة أنه أشار إلى محادثته مع الناس بالعربية في مواضع أخرى أيضا في رحلته كما سيأتي، مع اعترافه بأنه لا يجيد التحدث بالعربية[23].

ولما زار محطة القطار في السويس رأى فيها ضابطا تركيا، ولاحظ أن زِيَّه الرسمي لم يختلف شيئا عن أزياء الضباط الإنجليز إلا الطَّربُوش الذي كان يلبسه على رأسه والسُّبحة التي كانت في إحدى يديه[24].

وممن لقيهم في السويس وتحدث عنهم في هذه الرحلة التاجر الشيخ إسماعيل من مدينة سوبايا من منطقة جاوا بإندونيسيا. وكان معه ابنه الشيخ عثمان. وذكر أنه رحالةٌ من أصل سوري مقيمٌ في جاوا منذ 25 سنة، وكان قد زار الصين وأستراليا وشمال الهند وجنوبها، وكان قد وصل إلى مصر كسائح، وكان يستطيع التحدث باللغة الأردية أيضا[25].

ومما نلحظه في هذه الرحلة أن السيد أحمد خان يتحدث من حين لآخر عن لغة أهل البلد وعن الدلالات اللغوية للكلمات. وقد رأينا فيما سبق ملاحظته حول كلمة لوكانده. وأثناء حديثه عن رحلته بالقطار من مدينة السويس إلى الإسكندرية يتحدث عن كلمة سكة الحديد وبديله العامي وابور البر، ويخبرنا أن المصريين يرون أن الكلمة الثانية أي وابور البر أفصح من الكلمة الأولى وهي سكة الحديد، وأنهم يستعملونها في حديثهم بالفصحى[26]. وبالمناسبة فإن كلمة وابور تأتي بمعنى القاطرة أو مكينة لري الأرض أو تسويتها فيقال وابور الركاب ووابور الحرث ووابور الري. والسيد أحمد خان يقصد بكلمة وابور البر في هذه العبارة القطار.

ومن المدن التي مر بها قطاره أثناء سفره من مدينة السويس وأشار إليها إشارة سريعة في مذكرات رحلته مدينةُ طنطا ومدينةُ كَفر الزيات[27].

ولما مر القطار بمدينة كفر الزيات لاحظ ارتفاع المآذن في مساجدها، وقال إن المساجد في مصر لا توجد فيها إلا مأذنة واحدة على خلاف الهند حيث توجد في المساجد مأذنتان. وشبه مساجد مصر من هذه الناحية بـ “مسجد قوة الإسلام” التاريخي الواقع في مدينة دلهي جنب منارة قطب. وعبر السيد أحمد خان عن إعجابه بهذه المدينة لِما رآى فيها من المآذن الرفيعة والمباني الفاخرة على طِراز المباني الموجودة في المدن البريطانية.

ووصف السيد أحمد خان مقهى في طريقه إلى الإسكندرية حيث شرب القهوة وأكل الخبز والزبدة. وقال إن هذا المقهى لا يختلف أصلا عن مقاهي الإنجليز إلا أن النُّدُل فيها كانوا من الأتراك، وكانت أزياؤهم مثل أزياء الإنجليز مع طرابيش على رؤوسهم. وأعجبته القهوة التي شربها في هذا المقهى، فيصفها بهذه الكلمات:

(والقهوة التي قدمها لنا الأتراك هناك كانت قد حُضِّرت بحليب البقر من نوع ممتاز، وكانت لذيذة للغاية بحيث أنني لم أشرب مثلها من قبل لا في بيتي ولا في أي مطعم)[28].

ولما وصل السيد أحمد خان إلى الإسكندرية بالقطار لم يستطع التجول داخل المدينة وزيارة أماكنها الشهيرة؛ لأنه عند الوصول إليها ركب سفينة “بونا” المتجهة نحو أوروبا مباشرة، ولم تسنح له الفرصة لزيارة المدينة من داخلها، إلا أنه وصف ما شاهده من سفنٍ عند مينائها، وما شاهده من المباني الموجودة قرب الميناء. فأشار إلى كثرة البواخر والسفن الشراعية المرسوة في ميناء الإسكندرية، كما أشار إلى المباني والمصانع الموجودة قرب ساحل البحر بما فيها منارة الإسكندرية المعروفة[29].

ومما أوقعه في الحيرة الخصوبة الشديدة التي رآها من القطار عند اقترابه من الإسكندرية، فذكر أنه لم ير مثل هذه الخصوبة حتى في المناطق الخصبة في الهند، ومما لفت انتباهه كثرةُ الأنهار في المناق التي مر بها القطار وكثرة المزارع وانغماسها في مياه تلك الأنهار. والظاهر أنه يقصد بذلك الدلتا وما يَشتق منه من الأنهار[30].

هذا ولم تفته ملاحظةُ النظام المحكم لري الحقول والمزارع والذي طوره وبرع فيه المصريون منذ أزمنة سحيقة، فتحدث عن النواعير والسواقي التي كانت تُستعمل هناك لهذا الغرض وعن الحمير والبقر التي كانت تحرك تلك النواعير لتوصيل المياه إلى الأماكن الرفيعة، وتمنى السيد أحمد خان لو تم استخدام مثل هذه الطريقة لري الحقول والمزارع في بلاد الهند أيضا حيث ما زال الناس يستخدمون الطريقة اليدوية التقليدية الشاقة[31].

ووصف السيد أحمد خان القطار المصري من داخله بشيء من التفصيل، وأشار إلى أن المقاعد في الدرجتين الأولى والثانية مريحة للغاية مقارنة بالقطار في الهند. ولاحظ أن طاقم الموظفين والعمال كان متكونا من المصريين والأتراك، ومدح براعتَهم في مزاولة مهنتهم وحُنكتَهم في القيام بأعمالهم. ولكن الشيء الذي استرعى انتباهه بوجه خاص بهذا الشأن هو أن كل آلة من الآلات المستعملة في تلك القطارات وصيانتها كانت مستوردة إما من بريطانيا وإما من فرنسا، فيُظهر أسفه الشديد على ذلك، إلا أنه في الوقت نفسه يمدح المصريين لإلمامهم الجيد باستعمال الآلات والأدوات الخاصة بالقطار وبكل مهارة وبراعة، ويتأسف على عدم قدرة الهنود في مقابلهم على شيء من ذلك بسبب انغماسهم في التخلف. لننظرْ إلى هذا الاقتباس من رحلته:

(والأمر الذي كان يحثنا على التأمل في مصنع القطار بمصر هو أن عربات القطار والمضخات وأعمدة تمويل المياه وسكة الحديد وكل الآلات المستعملة في مصانع القطار حتى المسامير الحديدية كانت مصنوعة في إنجلترا أو فرنسا، ولم يكن شيء منها مصنوعا في مصر أو تركيا، إلا أن المصريين يستحقون المدح والثناء في مقابل الهنود الأشقياء الذين لا يستطيعون حتى استعمال هذه الآلات بأنفسهم، لأنهم لم يؤهلوا أنفسهم لذلك. ولن يقدروا على ذلك حتى تُنقل كل العلوم والفنون إلى لغاتهم، وأما قدرة المصريين على ذلك فسببها الرئيس أن الفنون الخاصة بهذه الأشياء قد ترجمت بلغتهم وانتشرت بينهم[32].

وهذا يدل فيما يدل على أن السيد أحمد خان كان يدرك أهمية اللغة الأم في التعليم ودورها في ازدهار الأمم وارتقائها، والحقيقة أن التاريخ قد أثبت هذه النظرية، ورأينا أن كثيرا من دول العالم الراقية اليوم بلغت إلى ما بلغت إليه من الرقي والتقدم عن طريق اهتمامهم بلغاتهم المحلية وبفضل نقل العلوم والفنون إليها في المرتبة الأولى.

والأمر الثاني الذي نرى أن السيد أحمد خان لاحظه واستنكره في الوقت نفسه هو إهمالُ المصريين النظافةَ وقلةُ اهتمامهم بها، فلم ير النظافة في مصنع القطار ولم يلحظها في الشوارع والمحطات، بل وجد الأوساخ والأدران متشرة في كل مكان، فأعرب عن أسفه على ذلك. وبهذا السياق نجده يمدح الأوروبيين لشدة اهتمامهم بالنظافة والصيانة، كما أشار إلى اهتمام بعض الدول الآسيوية أيضا بالنظافة دون أن يذكر أسماءها[33].

وممن التقى بهم السيد أحمد خان وتأثر بهم في مصر الحاج أحمد البكري من مدينة الإسكندرية، وكان قبطان السفينة التي ركبها في الإسكندرية متوجها إلى أوروبا. فوجده رجلا وجيها ونبيلا وفاضلا وأصيلا، وأعجب بفصاحته العربية وإلمامه الكبير بالإنجليزية والفرنسية، وقال إنه قضى برفقته وفتا طويلا أثناء هذا السفر. وذكر أن الحاج أحمد كان يأتي إليه ويتحدث معه كلما سنحت له الفرصة، وأنه لَمَّا علم أن السيد أحمد خان من سادات بني هاشم بدأ يبالغ في إكرامه واحترامه[34].

 

 

 

 

المصادر والمراجع:

  1. حيات جاويد، ألطاف حسين حالي، قومي كونسل برائ أردو زبان، نيو دلهي 1979م.
  2. حيات سرسيد، نور الرحمن، أنجمن ترقي أردو هند، علي كره.
  3. زعماء الإصلاح في العصر الحديث، أحمد أمين، دار الكتاب العربي، بيروت.
  4. سر سيد أحمد خان كا سفرنامه مسافرانِ لندن، السيد أحمد خان، ترتيب: مولوي إسماعيل الباني بتي، سر سيد اكيدمي، علي كره 2009م.
  5. سر سيد اور اُن كا عهد، ثريا حسين، ايجوكيشنل ببلشنغ هاؤس، علي كره، 1993م.
  6. سر سيد كا سفرنامه مسافرانِ لندن، السيد أحمد خان، ترتيب: أصغر عباس، ايجوكيشنل ببلشنغ هاؤس، علي كره 2019م.
  7. مختصر سوانح حيات سر سيد عظيم، أنصار الحق هاروني، حالي ببلشنغ هاؤس، نيو دلهي.
  8. المسلمون في الهند، أبو الحسن علي الندوي، مكتبة دار الفتح، دمشق.

 

[1]  حيات جاويد لألطاف حسين حالي ص31-32، وحيات سرسيد لنور الرحمن ص26.

[2]  حيات جاويد لألطاف حسين حالي ص54-56، وحيات سرسيد لنور الرحمن ص28، ومختصر سوانح حيات سر سيد عظيم لأنصار الحق هاروني ص8-9.

[3]  حيات جاويد لألطاف حسين حالي ص62، وحيات سرسيد لنور الرحمن ص28، ومختصر سوانح حيات سر سيد عظيم لأنصار الحق هاروني ص8.

[4]  حيات جاويد لألطاف حسين حالي ص63.

[5]  المصدر السابق ص64-68، وحيات سرسيد لنور الرحمن ص30، ومختصر سوانح حيات سر سيد عظيم لأنصار الحق هاروني ص9.

[6]  حيات جاويد لألطاف حسين حالي ص93 و164، وحيات سرسيد لنور الرحمن ص61، ومختصر سوانح حيات سر سيد عظيم لأنصار الحق هاروني ص22.

[7]  حيات جاويد لألطاف حسين حالي ص91.

[8]  المصدر السابق ص125، وحيات سرسيد لنور الرحمن ص41.

[9]   حيات جاويد لألطاف حسين حالي ص124.

[10]  حيات سرسيد لنور الرحمن ص41-42.

[11]  حيات جاويد لألطاف حسين حالي ص131.

[12]  المسلمون في الهند لأبي الحسن علي الندوي ص66.

[13]  سر سيد اور ان كا عهد لثريا حسين ص270، وحيات سرسيد لنور الرحمن ص44.

[14]  حيات جاويد لألطاف حسين حالي ص148-162.

[15]  المصدر السابق ص160.

[16]  المصدر السابق ص157-158، وسر سيد اور ان كا عهد لثريا حسين ص276.

[17]  حيات جاويد لألطاف حسين حالي ص153.

[18]     قد ورد اسم هذا الفندق في الطبعة التي رتبها إسماعيل الباني بتي هكذا: Sewis، ص102.

[19]   سر سيد كا سفرنامه مسافران لندن، السيد أحمد خان، ترتيب: أصغر عباس ص85-86.

[20]   المصدر السابق ص86.

[21]  المصدر السابق.

[22]  المصدر السابق ص87.

[23]  المصدر السابق 87.

[24]  المصدر السابق.

[25]  المصدر السابق ص87-88.

[26]  المصدر السابق ص90.

[27]  المصدر السابق ص91.

[28]  المصدر السابق 91.

[29]   المصدر السابق ص92.

[30]  المصدر السابق 92-93.

[31]  المصدر السابق ص93.

[32]   المصدر السابق ص94.

[33]  المصدر السابق ص95.

[34]   المصدر السابق.