Daily Updates

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

ستقوم مجلة التلميذ الدولية بإصدار عددٍ خاصٍ بمناسبة اليوم العالمي للغة العربية في 18 ديسمبر 2025، بمشاركة نخبة من الباحثين والأكاديميين. ويأتي هذا الإصدار احتفاءً بلغة الضاد وإبرازًا لدورها الحضاري ورسوخها في الثقافة والتعليم والإبداع.

2394-6628 مجلة التلميذ مجلة محكمة دولية شهرية صادرة عن وزارة التعليم العالي بولاية جامو و كشمير الهند الرقم الدولي

تعزيز لغة الضاد وتأكيد قدرتها على اقتحام التكنولوجيات

السفارات العربية بالهند

مجلس اللسان العربي بموريتانيا يدعو لسن قانون لحماية اللغة العربية

حفل التدشين الرسمي للمجلة العربية الشهرية مجلة التلميذ

الأستاذ الدكتور ثَناءُ اللهِ الندوي يمثّل الهند في مؤتمر دولي بلندن

مجلة التلميذ الدولية تستضيف الدكتور حسن يوسف في محاضرة علمية عالمية

August 21, 2026

Follow Us:

Tilmeez is a peer-reviewed international monthly Arabic journal (ISSN 2394-6628), published under the Ministry of Higher Education, Jammu & Kashmir, India.

Follow Us

“عام النزوح “قصة قصيرة

    بقلم: د. محسن عتيق خان رئيس التحرير لمجلة  أقلام الهند فقدت بطارية هاتفه طاقتها، فقام من فراشه ماسحا عينيه اللتين قد تعبتا لطول التحديق في شاشة الهاتف الذكي، كانتا قد بدأتا تحترقان، ونفاد البطارية جاء كمنقذ لهما من التحديق والإتعاب وأتاح لهما فرصة للراحة. تثاءب قليلا ثم قام بتوصيل الشاحن بمقبس الكهرباء، ووضع… View Article

“عام النزوح “قصة قصيرة

 

 

بقلم: د. محسن عتيق خان

رئيس التحرير لمجلة  أقلام الهند

فقدت بطارية هاتفه طاقتها، فقام من فراشه ماسحا عينيه اللتين قد تعبتا لطول التحديق في شاشة الهاتف الذكي، كانتا قد بدأتا تحترقان، ونفاد البطارية جاء كمنقذ لهما من التحديق والإتعاب وأتاح لهما فرصة للراحة. تثاءب قليلا ثم قام بتوصيل الشاحن بمقبس الكهرباء، ووضع هاتفه لإعادة الشحن، فكر قليلا ثم فتح باب الشرفة وبدأ يطل على الطريق الضيق واضعا يديه على درابزين الشرفة الحديدي الذي قد أصيب بالصدأ في بعض الأمكنة. فالطريق التي دائما تعج بحركة الأطفال اللاعبين، والنسوة المتحادثات كانت خالية تماما على غير عادتها. كانت عند مدخل الطريق الضيق سيارة “التوك توك” التي يمتلكها، وكان اشتراها بعد بيع قطعة أرضية صغيرة في قريته، وهي مركبة هندية الصنع، صغيرة الحجم، تتحرك بثلاث عجلات، ولا تتسع بالكاد إلا لثلاثة أشخاص يجلسون خلف السائق. سيارته لا تزال تقف كما أوقفها بالأمس، وكانت بجنبها سيارتان أخريان، وعلى بعد بضعة أقدام كانت هناك العربة الخشبية للعم الجار الذي يجول بها في الأزقة لبيع أنواع من الخضراوات. وبينما كان يمرر النظر في الطريق رأى العم الجار يظهر في شرفته متثائبا، ثم خاطبه قائلا “راجيش، ربما نمت ملأ العين بعد زمن طويل، هل تنتظر للمساء منذ الآن لكى تصفق وتضرب بالصحون لإبعاد جائحة كورونا كما وجه النداء إلينا رئيس الوزراء.” تبسم راجيش قليلا وقال: “لا يا عمي، بل مللت، فقمت هنا لأتنشق الهواء.” ثم أردف سؤالا: “أين زملاء غرفتك؟”  فقال العم: “إنهم لا يزالون ينامون، فلا عمل لهم اليوم، ألا ترى عرباتهم الخشبية واقفات هناك؟ وهل وجدت زملاء لغرفتك، كيف يمكن أن تدفع وحيدا خمس عشرة مئة ربية كل شهر، إذا وجدت خمس زملاء فلا يدفع واحد منكم إلا ثلاث مئة ربية.” فأجاب قائلا: “نعم انتظر لبعض أصدقائي وابنة عم لي، فسيأتون إلى دهلي لكسب القوت.” ثم توجه إلى داخل الغرفة، وعندما لم يجد شيئا ليعمل به، استلقى على فراشه وبعد قليل غرق في سبات عميق.

وفي المساء استنهض عندما بلغت أذنيه أصوات التصفيق وضرب الأواني التي تصم الآذان فأسرع خطاه إلى الشرفة، كانت الطريق تزج برجال الحي والنسوة عكس ما كات في الصباح، كان معظمهم يحملون في أيديهم الصحون، ويضربونها بالملاعق، والذين لم يجدوا الصحون، كانوا يصفقون، أما الأطفال فكانوا يرقصون فرحين، وهكذا بدا منظر الجموع الحاشدة كأنه نوع من الاحتفال وأكد على ذلك صياح النسوة والصبيان الذي يتعالى من الأزقة الأخرى. إنه تمتم لمهجته، هل هذا ما كان أراده رئيس الوزرء عندما طلب منا أن نبقى محجرين في بيوتنا يوم الأحد، ونصفق تشجيعا للأطباء والشرطة في المساء. أشار له العم الجار ان ينزل إلى الطريق ويشاركهم ولكنه امتنع، ففي الصباح كان أول ما طالع عند ولوجه لصفحة الفيسبوك هو عن التدابير الوقائية بصدد جائحة كورونا، واختيار البعد عن الناس، فلم يبرح من مكانه رغم أن العم أصر عليه.

كان ظن راجيش أن حظر التجول التطوعي ليوم سينتهي اليوم ولكنه استحال إلى الحجر الصحي القسري لحوالى ثلاثة أشهر، عندما ظهر رئيس الوزراء على شاشة التلفزيون وأعلن الإغلاق الكامل للبلد، والآن سُقط في أيديه، وبدأت الأفكار تزاحم رأسه عما يأكل في هذه الأيام، وبالأمس لم يشتر إلا إعاشة يوم حسب عادته. فماذا سيفعل بعد الآن، والله، كلما يظهر هذا الشخص على الشاشة يعلن شيئا يضع الناس في موضع حرج، وكانت أنواع من الهموم تملأ رأسه ولكنه هشها قائلا “سأقرر غدا ماذا أفعل” ثم خلد إلى النوم.

كانت على بابه قرعات خفيفة ففتح جفنيه ولكنه تساهل أن يقوم فاشتد القرع ثم جاء صوت العم الجار ينادي به، ففتح الباب وأدرك أن الفرح الاحتفالي الذي بدا على وجهه عند ضرب الصحون بالملعقة مساء أمس كان غاب تماما، وحلت محله الهلعة والخوف، والأفكار الهمومية. وما إن دخل الغرفة حتى قال صارخا:

 -“ماذا سنأكل خلال هذه الأيام. فلا نأكل إلا ما نكسب كل يوم، وما نكسب في الحقيقة لا يكفي حتى ليوم واحد.” فقال له راجيش:

-هدء من نفسك، دعنا نجلس ونفكر في هذا الأمر. وما عن زملائك؟”

-“إنهم مهمومون، لا يدرون ماذا سيفعلون.”

-سينفد كل ما لدينا غدا أو بعد غد، وفي رأي ليس لنا إلا أن نتوجه إلى قرانا، وهناك قد حضر وقت الحصاد، فيمكن لنا أن نسد رمقنا، وعلى الأقل سوف لا نموت جائعين في قرانا، فهناك أقاربنا وأصدقائنا.

-ولكن كيف نذهب إلى قرانا، القطارات مغلقة، والباصات معطلة.

-سنذهب سيرا على الأقدام.

-هل جُننت، هل يمكن أن نسير حوالى ألف كيلومتر على الأقدام؟

– ليس لدينا أي خيار آخر، نعم هذه مشكلة كبرى ولكن ليس بمستحيل، كان الناس قبل نصف قرن يسافرون هكذا، لا أزال أتذكر عدة قصص قصها علي جدي عن رحلاته الطويلة التي قام بها سيرا على الأقدام أو على دراجته الهوائية. 

-دعني أتشاور مع زملائي في الغرفة، وسأخبرك في المساء إذا تم الاتفاق.

خرج العم الجار من الغرفة، وتمدد راجيش على فراشه مرة أخرى بدون فكرة ثانية وغرق في نوم، وربما هذه كانت فرصة أولى ينام ملأ العيون منذ بدأ العمل، وكان آخر مرة تمتع بالنوم لساعات طوال عند انتهائه من اختبارات الثانوية العامة، فكان أجهد نفسه خلال الاختبارات ولكن بسب الأساتذة غير الأكفياء في مدرسة قريته، لم يتمكن من النجاح كما لم يتكمن أحد من زملاء صفه، وهذا يحدث تقريبا كل سنة، فبعد السنة التاسعة، عندما يبلغ طلاب القرية في السنة العاشرة ويواجهون اختبارات مجلس هيئة المدارس الثانوية يجدون أنفسهم يفشلون. فالمرور بهذه الاختبارات بمثابة المرور بجسر الصراط لطلاب القرية.

عندما بدأت آلام الجوع تداعب بطنه، فتح عينيه بعد الظهيرة، ألقى نظرة على الفرن ثم أخذ بعض الرز الذي لم يزل في كيس بولوثيني وضعه في الوعاء مع العدس، ثم طرح البولوثين في ناحية ووضع الوعاء على الفرن، هذا آخر ما كان لديه للطبخ، وقرر أن يأكل النصف الآن ويترك النصف الآخر للمساء، ربما سيغادر لموطنه مساء اليوم إذا تم الاتفاق. ثم فتح صندوقه وبدأ يعد نقوده التي جمعها خلال الأيام الماضية، ثم بدأ يستعد للسفر ويجمع كل ما كان لديه من الملابس، وهل كان لديه شيئ ما عدا ثلاث بذلات من الملابس، وفراش بال، وفرن مكسور، ووعاءين وسخين للطبخ.

لم يكن له أن يدرك مضى الوقت في الإستعداد لو لا رأى العم الجار يطل برأسه من باب الغرفة، كان يتوقع أن العم سيسأل عن استعداده ولكنه لم يسأله شيئا بل بدا مهموما وغارقا في التفكير، ثم قال في صوت يائس “زملائي متذذبون، لا يجترأ أحد منهم أن يقطع هذه المسافة الطويلة سيرا على الأقدام، يريدون الانتظار ليوم أو يومين ربما يعلن رئيس الوزراء عن حلول للطبقة الفقيرة.”

مضى اليوم القادم، ولم يكن هناك أي إعلان عن توفير الطعام، وفي الصباح التالي عندما لم يعد بوسعه أن يتحمل الجوع، بحث في الغرفة ما يأكله ولكن لم يجد شيئا، فخرج إلى الشرفة ووجد العم الجار قائما وهو يطل على الشرطي الذي يتجول في الزقاق بعصاه الغليظ. وكان خلفه زملاؤه، وبدت شدة جوعهم من وجوههم.

عندما رآه العم الجار قال له: “أنت تبدو جائعا مثلنا، هناك إعلان عن توفير الطعام للفقراء من جانب بعض معابد السيخ.

-هل هناك اي معبد لهم في جوارنا؟

-نعم حوالى خمس كلم من هنا، قد أكلت من إعطائهم عدة مرات عندما كنت جديدا في هذه المدينة ولم أكن اكسب ما يكفي لسد رمقي.

-ولكن كيف نصل المعبد، ففي كل زقاق هناك شرطي لتنفيذ الإغلاق الكامل، ولتأكيد الحجر الصحي.

-ليس لدينا أي خيار إلا أن نذهب إلى ذلك المعبد ونأكل من عطاءهم، انتظر لهذا الشرطي، ما أن يغيب عن هذه الزقاق سنخرج، ونقطع المسافة من خلال الأزقة.

عندما وصلوا المعبد مختفين عن أعين الشرطة، اندهشوا إذ رأوا صفا طويلا، ولم يكن لهم إلا أن ينضموا إلى الصف فلم يرد أحد منهم أن يموت من شدة الجوع. وعندما وجدوا الرز والعدس بعد مضى على قيامهم في الصف لساعات، أكلوا بنهم، ثم عادوا إلى غرفتهم مختفين عن أعين الشرطة، وشاء القدر أن يرى شرطي راجيش ولكنه فر قبل أن يرفع الشرطي عصاه لضربه.

قال له العم الجار “لا يمكن لنا أن نذهب إلى المعبد كل يوم هكذا، ونواجه الضرب والشتم على أيدي الشرطة. سأغادر غدا، هل سترافقني؟”

أنا معك مستعد منذ أول يوم، سل زملاءك في الغرفة.

فتوجه إليهم قائلا “أنا ذاهب غدا مع هذا الشاب، فمن شاء عليه أن يرافقني، لا انتظر لأحد، لا اريد أن أموت هنا من الجوع، وكذلك لا أريد أن أعرض نفسي أمام الشرطة للضرب والشتم كل يوم  وذلك للقمة طعام فقط.”

سأل أحدهم العم الجار “هل تعرف الطريق؟”

دهش العم بهذا السؤال، ففي الحقيقة لم يعرف الطريق إذ رغم قيامه في دلهي لأكثر من ثلاثين سنة لم يسافر إلى وطنه إلا بالقطار. وعندما رأى راجيش العم في حيرة. قال لهم: “لا أحد يعرف الطريق ولكن نعرف ما هي المدن المهمة التي تقع في الطريق بين دلهي و وطننا في ولاية بيهار.”

قطع كلامه رجل آخر “وهل تعني ممكن المرور بهذه المدن، فجميعها مغلقة وممنوع الدخول.”

قال العم “سنقطع الطريق مشيا بجنب السكة الحديدية، نمر بالمحطات التي يمر بها القطار، وهذا سيحفظنا عن بطش الشرطة التي ترصد كل من تجده خارج البيت.”

وافق الجميع على هذا الرأي وقرروا أن يخرجوا في صباح اليوم التالي.

****

عندما أذن المؤذن للفجر، كانوا قد خرجوا من غرفتهم وحقائبهم على ظهورهم. وجدوا جميع الطرق مقفرة ومغلقة بالمتاريس، ولكن كلما تقدموا وجدوا رجالا ونساء مثلهم من الطبقة الفقيرة يمشون على الطريق مختفين عن الشرطة. وعندما وصلوا الشارع العام خارج المدينة وجدوا زحاما من الناس، كل يغادر المدينة على الأقدام، أو على ما كان لديه من سيارة صغيرة، فهذا على دراجة، وذلك على أوتو، ورجل آخر يدفع العربة اليدوية وقد أجلس عليها أهله وأولاده، وأمرأة حامل تجر شنطة السفر وقد أجلست عليها ابنها الصغير، فبدا المنظر كأن المدينة كلها تسافر على الأقدام.

مشوا على الشارع العام ليومين ولم يتوفقوا في الطريق إلا للنوم والأكل قليلا، وعندما طرقوا باب مدينة بريلي كان الصباح قد ظهر، والشرطة قد وضعت المتاريس لمنع دخول الناس في المدينة. وفي وقت قليل اجتمع المسافرون الآخرون حتى بلغ عددهم أكثر من خمسين فأجلستهم الشرطة في الطريق واستدعت رجال الرعاية الصحية الذين بدؤوا يرشون عليهم الكولورين، ولم يكن أحد منهم توقع هذا النوع من المعاملة السيئة من جانب الحكومة والشرطة، فأولا أغلقوا البلاد صدفة بدون إخبار الناس، وعطلوا جميع أسباب السفر بدون أخذ أي أهبة وعدة لإطعام الطبقة الفقيرة، والآن عندما يسافر الناس إلى قراهم ومدنهم الصغيرة يتم تطهيرهم بطريقة غير إنسانية، يا لهذا، أي نوع من الرجال انتخباناهم ليحكموا علينا.

عندما أجاز لهم الشرطة بالمرور بعد رش الكولورين، أسرعوا لاجتياز المدينة فكان الناس ينظرون إليهم من شرفهم وشبابيكهم بعيون فيها احتقار لهم، كأنهم يعتبرون هؤلاء المسافرين حملة الكورونا أو كورونا نفسها، ومن هنا أدرك راجيش بأن عليهم أن يأخذوا طريق القطار، ويقطعوا الطريق على السكة الحدية لكى لا يواجهوا نفس الشئ في أي مدينة أخرى في طريقهم. فقال ذلك للعم، فقاد العم زملاءهم إلى السكة الحديدية.

لم يكن المشي على السكة الحديدية سهلا، وفي بعض الأحيان مشوا على الطريق الذي في محاذاة السكة الحديدة، وكلما شعروا أن الطريق يبتعد عن السكة الحديدية، تركوا الطريق ومشوا على السكة الحديدية. مروا في طريقهم بمحطات القطار الكبيرة والصغيرة ووجدوا كلها مقفرة، فليس هناك الناس إلا على السكة الحديدية هنا وهناك يمشون على أقدامهم التي قد تورمت، وظهر انشقاق في أصابعها بكثرة المشي.

كان راجيش قد أخبر أبويه عن خروجه من مدينة دهلي إلى قريته، فكان الأب يتصل به صباح مساء إذ كان مريضا ولكن بعد مضي ثلاثة أيام كان هاتفه مغلقا تماما إذ كانت بطاريته قد نفدت رغم جميع الاحتياطات، أما هاتف العم فلم تبقى فيه إلا النقطة الأخيرة للبطارية وعند المساء كان مغلقا هو الآخر.

عندما اقتربوا مدينة بتنا تفرقوا وودعوا بعضهم البعض، فتوجه العم إلى قريته، وأخذ راجيش طريقة إلى قريته وعندما وصل في موضع مشرف على منازل قريته، وجد الطريق مغلقا بقطع خشبة الخيزران. وكان أحد حراس البادية يجلس عنده، وأشار عليه أن يتبعه. جاء به إلى مدرسة القرية وأشار عليه أن يدخل فيه، وبعد دخوله أغلق الباب، وأطل من أعلى الحائط قائلا “عليك أن تكمل هناك 21 يوما للحجر الصحي، وبعد ذلك سنجيز لك زيارة بيتك ولقاء أسرتك، وسأخبر والدك عن مجيئك ليرسل لك سريرا وفراشا وبعض أشياء الأكل.”

كم كان فكر بأنه عندما يصل بيته، ستغسل أمه رجليه، وتغمزهما، وتدهنهما وتطبخ له أنواعا من المأكولات، ولكن ما هذا، قد فر من مصيبة ليقع في أخرى أسوأ منها. كان على أرضىية مبنى المدرسة اركتم غبار كثيف، وكان نصف باب المرحاض مكسورا، لم تكن هناك أنابيب بل مضخة يدوية قديمة تطلب جهدا كبيرا لإخراج الماء. حصل له بعض الطمأنينة عندما رأى في المدرسة عدة شبان يقضون أيام الحجر الصحي إذ رجعوا هم أيضا من المدن الكبيرة، وبعضهم كانوا لعبوا معه في الطفولة وقرؤوا معه الدرس في هذه المدرسة ولكن كل منهم يتألم لألم نفسه ولا يأبه بأحد.

بعد حوالى ساعتين رأى أخاه الأكبر يطل من أعلى الحائط فسلم عليه وتكلم معه من بعد. فتح الحارس الباب وتم نقل السرير والفراش وبعض الأواني إلى الداخل. وأخبره أخوه عن مرض أبيه وشدة ألمه وعدم قدرته على القيام، وخوفه من ذهابه إلى المشتسفى الذي في هذه الأيام يبعد بين المريض وذويه بإسم الكورونا ثم لا يخرج من المستشفى إلا جثمان المريض. فطلب من أخيه أن يلتمس إلى الحارس أو مختار القرية ليحصل له الإجازة لرؤية أبيه، فوعد بذلك ثم مضى.

مضى ثلاثة أيام، كان أخوه يأتي لاستفسار أحواله ولإخباره عن صحة ابيه كل يوم، ولكن في ذلك اليوم، بدا على وشك البكاء، فكانت صحة الأب قد تدهورت إلى حد أن تيقن الناس بأنه سيموت في أقل من يوم. كان قد تكلم مختار القرية ولكن لم يجز بعد. وفي المساء جاء أحد جيرانه ونعى بموت أبيه، وقال له بأن مختار القرية أجاز له بزيارة الميت في البيت على شرط أن يعود بعد ذلك على الفور إلى مكان الحجر الصحي.

بكى بكاء شديدا، وحيدا بدون أن يعتنق أخاه أو أمه، كل واحد في القرية كان يقوم منه على بعد خمسة أمتار كأنه رجل منبوذ. كان يتمنى أن يبقي عند أبيه الميت طول الليل فلا يوارى جثمانه إلا في الصباح ولكن عندما أصروا عليه توجه إلى المدرسة. وفي الطريق شعر شيئا عجيبا، فرأى الناس يطفؤون المصابيح الإلكترونية ويشعلون الشموع ويصيحون بشعارات هندوسية دينية، وسمع بعض أصوات المفرقعات النارية كأن الناس يحتفلون بشيئ عظيم، وعرف فيما بعد بأن الناس فعلوا ذلك على طلب رئيس الوزراء.

مضى يومان ولكن عينيه ما زالتا تدمعان، فكم كان يشعر بالحرمان، ورغم كونه في القرية لم يستطع أن يلقى أباه حيا، ويراه آخر مرة، ويكون عند سريره عندما كان يلفظ أنفاسه الأخيرة. وبينما كان يجلس مهموما سمع باب المدرسة يفتح، فرفع رأسه ورأى شخصا قادما فعرفه وأسرع إليه وعانقه وبدأ يبكي بكاء شديدا، فكان من زملاء العم الجار، وقد قضى سفرا طويلا معه وعانى عددا من المصائب والمشكلات سويا. بدأ يخبره ذلك الشخص بأنه عندما وصل قريته مع العم، تم حبسهما في مدرسة قريتهما، وتلك المدرسة أسوأ من هذه المدرسة، والحارس لم يعد بعد إقفال المدرسة كأنه نسينا. كان العم متعبا كثيرا وبدا كأن ضعفه أكله في الطريق فأصيب بالحمى في الليل ومات في الصباح، ولكن لم أدرك موته إلا في المساء إذ كنت متعبا وكنت أريد أن انام ملأء العيون. لم أدر ماذا أفعل ومضى على موته يومان حتى بدأت الديدان تسري في جسمه، فخبت من هذا المنظر، وتسلقت الجدار، وذهبت إلى بيتي، وقرعت الباب، فخرجت زوجة أخي عابسة وجهها وطردتني ولم تجزني أن أدخل بيتي في أي حال. فعدت يائسا وبحثت عن الحارس، وأخبرته عن العم، فأرسلني إلى هذه المدرسة لإكمال الحجر الصحي، وذهب هو إلى تلك المدرسة لإجراء عملية التدفين. كنا نظن أن مجيئنا في القرية سيلقى استقبالا حارا، ولكن نحن في أسوأ حال الآن، لسنا ندري هل سنتمكن من إكمال 21 يوما في هذه المدرسة أم لا، وهل ستقبلنا أسرتنا أم لا، فقد لامست في أعين أهالي القرية نوعا من الاحتقار لنا، كأنهم يظنون بأنهم كانوا في مأمن ونحن حملنا إليهم وباء كورونا. كان يقول لي الحارس، عندما ننتهي من أيام الحجر القسري في المدرسة، ستعطينا السلطات الحكومية حزمة من العدس وحزمة من الرز، ولكن كيف يمكن ذلك، وهي لم تتمكن من توفير التسهيلات اللازمة في هذه المدرسة.

في بضعة أيام قادمة، أدخل في المدرسة رجال آخرون الذين جاؤوا متحملين مصائب مختلفة، فأخبر أحدهم بأن الحكومة اُضطرت إلى الإعلان عن إجراء عدد قليل من الباصات والقطارات لنقل الناس إلى اقرب المدن بقراهم، ولكن يبدو أنه ليس لتسهيل الناس، بل للحصول على الأثمان الباهظة منهم، فامتلأت محطات الباصات وأرصفة القطارات بسيول الناس، وهناك وسطاء يطلبون الأثمان الباهظة للتذاكر.

عندما أكمل حادي وعشرين يوما، أجاز له الحارس الخروج من المدرسة، فذهب إلى بيته مع أخيه، ولقي أمه فاحتضنته وبكت بكاء طويلا حتى وهي تذكر أباه، بدت كأنها ضعفت كثيرا، وكأنها تقدمت في السن أكثر مما كانت. مضى أسبوع كامل وشعر خلالها كأنه نشب هناك شجار بين أخيه وبين زوجته، وأدرك أنها لا تريد أن تطبخ له ولأمه، وتريد أن تبقى وحيدة مع أخيه وابنيه. فقرر أن يبنى كوخا ويفترق من أخيه ويعيش مع أمه، ثم زار مسؤول توزيع طحين الإعاشة، فقال له “لا نعطي إلا من له بطاقة الإعاشة فالحكومة أعلنت لإعطاء طحين الإعاشة قبل شهر في الصحف ولكن لم توفر لنا المواد حتى الآن، وعليك زيارة مختار القرية، ممكن أن يساعدك بهذا الصدد.” فتوجه إلى مختار القرية وعرض عليه طلبه فقال، قد انتهت عملية إجراء بطاقة الإعاشة لهذه السنة قبل الإقفال الشامل بشهر، ليس بوسعي شيئ الآن.

رجع إلى كوخه يائسا وكان رأسه يتردد بما كان قال الحكام عن توفير الإعاشة لكل أسرة فقيرة، ثم هز كتفيه وهو يتمتم “إنهم يعلنون على الشاشة أمام الصحفيين أشياء كثيرة ثم ينسون كل شيئ كأنهم لم يقولوا شيئا.