السَّيْفُ في أَدَبِ العَرب
أ.د. سيد جهانغير عميد شؤون التخطيط وعضو المجلس التنفيذي بجامعة الإنجليزية واللغات الأجنبية وأستاذاللغةالعربية وآدابها (وعميد كلية الدراسات العربية والاسيوية (س )ورئيس قسم الدراسات العربية (س بجامعة الإنجليزية واللغات الأجنبية الحكومية الوطنية حيدرآباد ، الهند ومؤسس وخادم جامعة الحرمين الشريفين العربية الإنجليزية الإسلامية النموذجية ورئيس تحرير صحيفة حراء العربية والأردية و رئيس لجنة التحكيم لمجلة… View Article
أ.د. سيد جهانغير
عميد شؤون التخطيط وعضو المجلس التنفيذي بجامعة الإنجليزية واللغات الأجنبية
وأستاذاللغةالعربية وآدابها
(وعميد كلية الدراسات العربية والاسيوية (س )ورئيس قسم الدراسات العربية (س
بجامعة الإنجليزية واللغات الأجنبية الحكومية الوطنية حيدرآباد ، الهند
ومؤسس وخادم جامعة الحرمين الشريفين العربية الإنجليزية الإسلامية النموذجية
ورئيس تحرير صحيفة حراء العربية والأردية
و رئيس لجنة التحكيم لمجلة التلميذ الدولية المحكمة
المقدمة :السيف عدة الحرب، وجمال الرجل بسيفه البتَّار، وأسماء السيف قاربت الألف اسم، كما ذكره اللغويون، وهناك سيوف مشهورة ومعروفة لبعض الرجال المحاربين، كان السيف فخر الرجل العربي، يتمنطق به، ويشهره عند الحاجة، ويهدد به الأعداء، ويتخذه زينة ورفعة، لذا نرى أن مكانة السيف عند الرجل العربي مكانة النفس وصيانتها.
في هذا البحث نحاول أن نتعرف على السيف وأسمائه، ورجاله المشهورين، وما ورد عن السيف في أدب العرب، وما قيل فيه من أقوال حكيمة، أو أشعار عظيمة، وإن كانت مكانة السيف في العصر الحديث قلت، ولكن بقيت مكانته الفنية والمعنوية قائمة، فهو هدايا لبعض المسئولين والرؤساء، كنوع من التضامن المشترك بين الدول.
أسماء السيف وصفاته:
ذكر اللغويون والنحاة أسماءا متعددة للسيف، وقد ذكرها صاحب تاج العروس، وقال: بأن أسماء السيف تُنيف على الألف، ولكنهم لم يعددوا الألف، وذكر ابن خالويه بعضها: الصارم، والرِّداء، والخليل، والقضيب، والصَّحيفة،والمُفَقَّر، والصِّمصامة، والمأثور، والمِقضب، والكَهام، والأَنيث،والمعضد، والجُراز، واللَّدن، والفُطار، وذو الكريهة، والمَشرفي، والقُساسي، والمَضْب، والحُسام، والمُذكَّر، والهُذام، والهَذوم، والمُنصل، والهذَّاذ، والهذهاذ، والهُذاهذ، والمِخصل، والمِهذَم، والقاضب، والمُطبَّق، والضَّريبة، والهندواني، والمُهنَّد،والهندكي، والصقيل، والأبيض، والعقيقة، والمتبن,,, وهناك أسماء أخرى لا يسع المقال لذكرها، ولكنها وردت في الأشعار. [1]
يقال للسيف: مُهنَّد غير مُعضَّد، وحسام غير كَهام، وصارم غير ثارم، وباتر غير فاتر، وعمول غير فلول، وقِرضاب غير ناب. ويقال أيضاً: الحتفُ في السيف، وهو سيف قاطع، مرهفٌ باتر، مُهنَّد صارم، لا تنبو مضاربه، ولا تكلُّ غواربه، ولا يخون في كريهة، ولا ينبوعن ضريبه، إناعتلى قدَّ، وإن اعترض قطَّ، وإن جرح فتح، وإن أصاب عظماً رسب، يَمرُّ في الحديد، ويمضي في الصخر الصليد، سواء عليه الدرع وحلقة الزَّرع، يمُنُّ المحن، ويحتجف الحجف، إن أصاب الدلاص رسب وغاص.
وذكر اللغويون أيضاً بعض التعابير والصفات المرتبطة بالسيف، كقولهم: هو في الظلام قبس، وفي الخلاء أنس، وفي السفر رفيق، وفي الحضر أخ رفيق، يعلو الضريبة كأنه برق لامع، وينقضُّ عليه كأنه كوكب بارق أو شهاب ثاقب، ثم يمرق منه مروق السهم من الرميةليس له مانع، من مجن صانع، ولا واقٍ، يلين له يابس الحديد، فيبريه بري الحصيد، يمضي في الحجر القاس، كأنه مُدية الفاس، إن ضرب به قمم الأبطال فتك، وإن أصاب الحلق الحصين قطَّ وهتك. لا يقسو عليه صخر صلد، ولا يحجره حجر صمد، يرسبُ في زُبُر الحديد وصفا الجلاميد، ويغوص في الجماجم والقمم، ويعَضُّ على اليافوجِ واللمم. ويغيب في الهامان والجمم. [2]
السيف في اللغة:
يقال: علاه بعضبٍ بتَّار، كأنه ذو الفقار، وضربه بحسام، كأنه الصمصام. وسيف ذو الفقار هو سيف أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- عليه السلام- وسيف الصمصام هو سيف عمرو بن معديكرب الزبيدي.
يجمع السيف علىأسْياف، وسُيوف، وأسْيُف، وأنشد الأزهري:
كأنَّهم أسيُفٌ بيضٌ يمنيةٌ عَضبٌ مَشارِبُها باقٍ بها الأثرُ
وسافه يسيفه: ضربه بالسيف، وقد سِفتَهُ، فأنتَ سائفٌ، ورجلٌ سائف: ذو سيف، وسيَّاف: صاحبه، والسيافة: هم الذين حصونهم سيوفهم، وقيل: هم في الدار أسياف: أي أحزاب، والمسائف: السنون المجدبة والقحط.ورجل سيفان: أي طويل ممشوق، وامرأة سيفانة: وهي الشَّطْبةُ كأنها نصل سيف، ومن معاني سيف: شعرُ ذنب الفرس،والسيف سمكة في البحر لها ما يشبه السيف. أما كسر حرف السين فيأخذ معنى آخر، سِيف: وهو ساحل البحر، أو الوادي، والسِّيف الملتصق بأصول السَّعف،من خلال الليف، ويسمى سعفا، وأنشد الجوهري: [3]
نَخلُ جُواثَى نِيل من أرْطابِها والسِّيفُ واللِّيفُ على هدَّابِها
وقال لبيد الشاعر:
ولقد يَعلمُ صحبي كلُّهم بعَدانِ السِّيفِ صبري ونقل
العدان: منطقة الساحل من رأس الأرض إلى المشعاب على ساحل الخليج العربي، أي معظم الساحل الكويتي على الحدود السعودية. [4]والسيف الطويل: ساحل بحر البربرة، القريب من مقديشو.والمسيف: هو المتقلد بالسيف، فإذا ضرب به فهو سائف، وقيل: هو الشجاع، ودرهم مسيَّف: أي أن جوانبه نقية من النقش، وتسايفوا، وسايفوا، واستافوا: أي تضاربوا بالسيوف.
ومن المجاز رجلٌ سياف: إذا كان سفاكاً للدماء،وريح مسياف، يقطع مثل السيف، وبرد مسيَّف: فيه صور مثل السيوف، والسائفة: اسم رمل دقيق،وهناك من تسمى بسيف من العرب، وبعضهم مشهور في التاريخ العربي الإسلامي. مثل: سيف بن سليمان، من رجال الحديث، وكذلك سيف بن عبيد الله، وسيف بن عمر التميمي، وتستخدم كلمة سيف في بعض المجازات الأخرى.
السيفُ في الشعر العربي:
في حروب العرب:
يعدُّ السيف من أهم أدوات الحرب عند العرب، لذا نرى أن الشاعر أبا تمام يقرر أن السيف أصدق مما قيل في فتح عمورية، فقد ذكر المنجمون أنها لا تفتح في هذا الوقت، بل بعد نضج التين والعنب، ولكن المعتصم بالله، الخليفة العباسي حشد الجيش وسار إلى عمورية وفتحها، فقال أبو تمام يقول:[5]
السَّيفُ أصدقُ إنباءً من الكتبِ في حدِّه الحد بين الجدِّ اللعبِ
بيض الصفائحِ لا سود الصَّحائففي متونهنَّ جلاءُ الشَّكِ والرِّيبِ
ومن السيوف المشهورة سيف عمرو بن معديكرب الذي يقول :
أيوعِدني سعدٌ وفي الكفِّ صارمٌ سيمنعُ مني أن أذلَّ وأخضعا
فوالله لولا الله لا شيء غيره لَجَلْجَلَتهُ الصمصامَ أو يتقطَّعا
هكذا يكون مكانة السيف في الحروب، يعتز الفارس بسيفه، ويتقدم في الحروب شاهراً سيفه، ويقول الشاعر النَّبَّاج بن مالك البُجلي:
ونحنُ أناسٌ نَسعَرُ الحربَ بالقنا إذا ما خبت حتى يفورُ جَحيمُها
ترى البيضَ كالأنهاءِ في حومةِ الوغى بأيماننا مشهورةٌ لا نشيمُها
ومن هذا المجال يقول الشاعر مقيس بن ضبابة الكناني:
ألا أبلغ طوائف آلِ بكرٍ وعبدِ الله إذ نزلوا الشآما
بما لاقت سُراة بني قصي غداة الشعبِ إذ كرهوا الزحاما
نسوقهم بيض الهند سوقاً يُصدِّعنَ الجماجمَ والعظاما [6]
عرفنا الأسماء الكثيرة للسيف، ومنها كلمة: مهنَّد، أي الذي صنع في الهند من حديد قوي، فيقول الشاعر عمرو بن معديكرب:
فما أوهى مِراسُ الحربِ رُكني ولكن ما تقدم من زماني
وإنلا يُذهبُ الحدثانِ نفسي أزُركم يا بني عبد المدانِ
بفتيـــــــانٍ إذا فـــــزِعوا تــــــَردُّوا بكل مهنَّدٍ عَضـــــبٍ يمانِ
من جموع السيف أسياف، وسيوف، والشعراء لا يترددون في استعمال الجمع في قصائدهم، ومن هؤلاء الشاعر عِصابة الجرجرائي: [7]
الحــــــــربُ تعـــــلمُ أنَّنــــــا أكْـــــفاءُ قَتلى بقَتلى والبواءُ ســـــــــواءُ
لمّا عصينا بالسيوفِ عصوابها إنَّ السيوفَ من السيوفِ وِقاءُ
أصحابُ مسروف بن أبرهةَ الذي جُمِعت عليهِ حِميرٌ وصداءُ
وهكذا يكون السيف ومشتقاته، ومرادفاته عنوان الشرف في وجود العربي، وأداة جمال وفخر، فالعربي لا يستغني عن السيف، فهو حاضر إلى جنبه، ومستعد لاختراط السيف عند الحاجة، أو إذا فزِّع يلبي نداءالحرب متى ما سمع صوت المنادي، ويتدرب العربي منذ الصغر على حمل السيف، فما يصل إلى سن البلوغ إلا وكان قد أتقن استعمال السيف.
ونرى أن الشاعر البحتري يستعمل بعض المرادفات للسيف في مدح سيما الطويل، والي الشام فيقول: [8]
إنَّ الأمير ” أبا علي” أصبحت كفّاهُ قد حوت المكارمَ والعلا
سيفٌ على أعدائه، لا تنجلي ظُلَمُ الخطوبِ السودِ حتى يُجتَلَى
قد جرَّبَ الأعداءُ من وقْعاتِه ما كفَّ غربَ الخالعين ونكَّلا
كم سادرٍ في الغيِّ ذَمَّ فعالَهُ لمَّا هوى تحتَ السيوفِ مُجدَّلا
قطَعتهُ وقعةُ مشرفي صارمٍ أعيا لها جُثمانُهُ أن يوصلا
لاحظ أن السيف هنا معناه القوة بشكل عام، واستخدم المترادف ليعمل عمل السيف في القطع، ويمضي شعر الحرب بالسيوف، أو المترادفات لكي يحقق الهدف من المعارك التي طحنت الأعداء، وجلبت النصر.
السيف في الجاهلية:
في صراع المجموعات السياسية كان السيف يمثل قوة السيطرة، والاستحواذ على الحكم وهزيمة الأعداء، فمنذ العصر الجاهلي كان السيف حاضراً للدفاع عن تلك المجموعات المتحاربة، قد تكون مترادفات السيف، أو مشتقاته تقوم بعمل القوة، فأين استعمل السيف في بلاد العرب؟
في العصر الجاهلي كانت هناك إمارتان للعرب: المناذرة في العراق، والغساسنة في الشام. ويرحل الشعراء إلى تينك الدولتين، فمن هؤلاء النابغة الذبياني الذي وفد على دولة الغساسنة، بعد أن هرب من ملك الحيرة، فقال يمدح الغساسنة: [9]
على عارفات للطعان عوابسٌ بهنَّ كلوم بين دامٍ وجالبِ
إذا استنزلوا عنهنَّ للطعن أرقلوا إلى الموت إرقال الجمال المَصاعبِ
فهم يتساقون المنية بينهم بأيديهم بيضٌ رقال المضاربِ
ولا عيبَ فيهم غير أن سيوفهم بهنَّ فلولٌ من قراعِ الكتائبِ
أما الشاعر عدي بن زيد فيقول في دولة المناذرةوفيها حكم:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكلُّ قرين بالمقارن يقتـــــدي
فإن كان ذا شرٍّ فجانبه سرعةً وإن كان ذا خيرٍ فقارنه تهتدي
وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضة على المرء من وقع الحسام المهندِ
يغير النعمان بن المنذر- ملك المناذرة – على بعض القبائل فيتصدى له الشعراء، ومن ذلك أن أحد شعراءقبيلة عبد القيس يتحدى ذلك الملك ويقول له:
إن تغز بالخرقاءِ أسرتنا تلقَ الكتائبَ دوننا تردي
أحسبتنا لحماً على وضمٍ أم خلتنا في البأس لا نجدي
وهززتَ سيفك كي تحاربنا فانظر بسيفك من به تردي
وهكذا كان الوضع بين دولتي المناذرة والغساسنة، ولكن بعد انتشار الإسلام وقيام الدولة الإسلامية استجدت أمور أخرى، حيث دخل السيف في معارك الإسلام مع الكفر، كان العرب في الجاهلية يتقاتلون على الماء والكلأ، وتستمر المعارك الدامية لسنوات طويلة دون أي نتيجة، سوى تدخل بعض عقلاء العرب لإيقاف تلك المعارك، ودفع دية المقتولين، وانتهت تلك المعارك بدخول العرب في دين الله أفواجا، فكيف كان موقع السيف بعد الإسلام؟
السيف في الإسلام:
انبثق نور الإسلام من مكة المكرمة، وواجه رسول الله-صلى الله عليه وآله وسلم- عداء أهل قريش بكل قوة وجبروت، وكانت الحرب بين الإسلام والكفار في اتجاهين: حروب قتالية بالسلاح. وحروب قولية بالشعر، فبدأ كفار قريش بالإساءة لرسول اللهوللمسلمين الأوائل، وبدأ الشعر قبل الحرب، فلما هاجر الرسول الكريم والمسلمون إلى يثرب(المدينة) وقعت حروب حامية الوطيس من القتال والشعر، فكان لا بد لشعراء الإسلام من الرد على شعراء مكة المشركين.
كان حسان بن ثابت من أكبر شعراء المدينة الذين ردوا على كفار قريش، فمن قصيدة له في الرد على أبي سفيان بن الحارث، حيث يقول: [10]
ألا أبلغ أبا سفيان عني فأنت مجوفٌ نخبٌ هواءُ
بأنَّ سيوفنا تركتكَ عبداً وعبدُ الدر سادتها الإماءُ
هجوتَ محمداً فأجبتُ عنهُ وعند اللهِ في ذاكَ الجزاءُ
فإنَّ أبي ووالده وعرضي لعرضِ محمدٍ منكم وقاءُ
أتهجوهُ ولستَ له بكفءِ فشركما لخيركما الفداءُ
كان رسول الله-عليه السلام- موقراً ومحبوباً عند المسلمين الأوائل، فهذا كعب بن زهير الذي هجا أخاه بجير، فأهدر رسول الله دمه، ولكنه جاء معتذراً ومادحا للرسول يقول: [11]
إن الرسول لسيف يستضاء به مهنَّد من سيوف الله مسلول
في عصبة من قريش قال قائلهم ببطن مكة لما أسلموا زولوا
زالوا فما زال أنكاس ولا كُشفٌ عند اللقاء ولا ميلٌ معازيلُ
نلاحظ أن كلمة سيف هنا أطلقها الشاعر على الرسول لأنه يقطع الحق عن الباطل.
ولما افتخر هبيرة بن أبي وهب بتمجيد انتصار قريش يوم أحد، انبرى له شاعر الأنصار كعب بن مالك يرد عليه بقوله:
نجالدُ لا تبقَى علينا قبيلةٌ من الناس إلا أن يهابوا ويفزعوا
وقال رسول الله لما بدو لنا ذروا عنكم هول المَنيَّات واطمعوا
وكونوا كمن يَشري الحياةَ تقرُّباً إلى ملك يحيا لديه ويرجعُ
ولكن خذوا أسيافكم وتوكلوا على الله إنَّ الأمرَ لله أجمعُ
ولما قتل الإمام علي بن أبي طالب عمرو بن ودّ العامري، فارس قريش، يوم الخندق، قال حسان بن ثابت يفتخر بقتله: [12]
بقيَّتكم عمرو أبحناهُ بالقنا بيثرب نحميوالحماةُ قليلُ
ونحنُ قتلناكم بكلِّ مهنَّدٍ ونحنُ ولاةُ الحربِ حينَ نعولُ
ونحن قتلناكم ببدرٍ فأصبحت معاشركم في الهالكين تجولُ
وقد انتشر الإسلام في جزيرة العرب، وبدأت الفتوح الإسلامية، ففي فتح فارس يقول تميم بن مقرن، قائد جند المسلمين في معركة (واج روذ)، وكان قائد الفرس (موتا): [13]
ولما أتانا أنَّ موتا ورهطه بني باسل جروا جنود الأعاجم
صدمناهم في واج روذ بجمعنا غداة رميناهم بإحدى العظائمِ
فما صبروا في حومة الموت ساعة لحدِّ الرماح والسيوف الصوارم
دخل شريك بن الأعور الحارثي على معاوية بن أبي سفيان، وكان خليفة، فقال معاوية: إنك شريك، وما لله من شريك. وإنك لابن الأعور، والصحيح خير من الأعور. وإنَّك دميم سيّئ الخلق، فكيف سدت قومك؟! فقال له: وأنت معاوية، وما معاوية إلا كلبة عوت فاستعوت الكلاب، وإنك لابن صخر، والسهل خير من الصخر، وإنك لابن حرب، والسلم خير من الحرب، وإنك لابن أمية،وما أمية إلا أمةٌ صُغرت، فكيف سمّيت أمير المؤمنين؟! فقال معاوية: واحدة بواحدة، فأنشأ يقول: [14]
أيشتمني معاوية بن حرب وسيفي صارمٌ ومعي لساني
وحولي من ذوي يمنٍ ليوث ضراغمة تهضُّ إلى الطعانِ
فلا تبسط لسانك يا ابن حربٍ فإنَّك قد بلغتَ مدى الأماني
فإن تك من أمية في ذراها فإنِّي من ذرى عبد المدانِ
التصوير الفني للسيف:
استمر الشعراء العرب في استعمال السيف في قصائدهم ومقطوعاتهم، على كر الدهور ومر العصور، وقد استعملوه حقيقياً ومجازياً، وأتوا بصور بديعة في استعماله، من ذلك ما نظمه بشار بن برد في قصيدة له يقول: [15]
إذا الملكُ الجبَّار صعَّرَ خده مشينا إليهِ بالسيوف نعاتبه
وكنا إذا دبَّ العدو لسخطنا وراقَبَنا في ظاهرٍ لا نراقبه
ركبنا له جهراً بكلِّ مثقفٍ وأبيض تستسقي الدِّمامضاربه
وجيشٍ كجنحِ الليلِ يرجفُ بالحصى وبالشولِ والخطي حُمرٌ ثعالبه
غدونا لهُ والشمسُ في خدرِ أمها تُطالعنا والطَّلُّ لم يجرِ ذائبه
بضربٍ يذوقُ الموتَ من ذاق طعمه وتدركُ من نجّى الفرارُ مثالبه
كأنَّ مثار النقعِ فوقَ رؤوسهم وأسيافنا ليلٌ تهاوى كواكبه
إبداع كبير في تصوير المعركة، وصور بلاغية جميلة، قلَّ من شاعر كفيف أن يتصورها، وبشار من الشعراء العباسيين العظماء، من له دراية في اللغة والتعابير الجميلة، وهنا استعمل الشاعر السيف، وجمعه، ومرادفه، فهو عالم في اللغة متمكن من توظيفها بحسب ما يريد.
ومن الشعراء من صور السيوف تصويراً آخر، في كالمصابيح، أو الكواكب، فيقول الشاعر عمير بن جابر الحنفي:
ودارت رحانــــــا ســـــاعة ورحاهم فولّــــوا خزايـــــــا والجواعرُ تقطرُ
كأنَّ سيوف الهندِ في حجُراتهم مصابيحُ تذكو أو كواكبُ تزهرُ
وكما قال حبيب بن عمرو الثقفي
طرنا إليهم بكل شلهبةٍ وكُلّ صافي الأديمِ كالذهبِ
وكلُّ عضبٍ في متنه أثرٌ ومشرفيٍّ كالملحِ ذي شطبِ
يشبِّه الشاعرُ السيوفَ البيضاء كأنها الملح في بياضها، مصقولة للطعن والحراب، وهكذا التشبيه، والاستعارة يتفنن الشعراء بأوصاف السيوف، هؤلاء الشعراء فنانون، يرسمون صوراً فنية جميلة، استأثرت على اهتمام النقاد والقراء لهذه التشكيلات الفنية المبدعة.
ومن هؤلاء الشاعر العلاء بن قرظة يقول: [16]
وقد علمت سعد بن ضبَّة أننا أُولو العزِّ معروفٌ لنا والتكرمِ
وأنَّا نقيهم بالسيوفِ ونتَّقي عدوَّهم بالمشرفي المصمّمِ
والسيوف المشرفية منسوبة إلى قرى باليمن، وهنا نرى مدى استخدام مترادفات السيف، وصياغتها بحيث تؤدي دورها المطلوب ، منها.
وكذلك ما نظمه الشاعر عمرو بن معديكرب الزبيدي من قوله:
أعددتُ للحدثان مُطَّرِداً لدنَ المَهزَّةِ غير ذي وضمٍ
وهذه المترادفات أسبغت على شعر الشعراء جمالاً مبهراً، وأخرجت إبداعية الشاعر وتصوره في استعمال مترادفات السيف، بحيث أن القارئ والناقد نرى فيها كل البلاغة والتصور الفكري المبدع، على الرغم من إبداع الشعراء بتصوير السيف، إلا أهم لم يكونوا لحدهم في ذلك العصر، فقد صور السيف الشعراءفي كل عصر حتى في العصر الحديث، مع تغير دلالة اللفظ، فأصبح السيف يمثل القوة، بعد أن كان يضرب به.
الخاتمة
بعد هذه الجولة مع السيف ومكانته اللغوية والشعرية في أدب العرب نرى أن العرب جعلوا من السيف حصنهم المنيع، وزينتهم الغالية، ولم يتصور أحد منهم أن يتخلى عن سيفه، بأي حال من الأحوال، وقد استعملت مترادفات للسيف كثيرة، فاقت الخمسين من أسماء السيف، وقد وظفها اللغويون والشعراء في أعمالهم الفنية، وأبدعوا في صنعها وبلاغتها.
رأينا كيف أن الشعراء رأوا أن القوة الممثلة في السيف أكثر إبلاغاً، وأعظم قدرة على إمضاء الرأي، واكتساب المكانة المرموقة، ولا يزال السيف له مكانة كبيرة في استخدامه الذي يرمز إلى القوة والعنف، فقد كانت العرب تضعه في ذلك الموضع، لذا نقشوا عليه بعض النقوش، والعبارات التي تُنبئ عن فكر حامل السيف.
استحوذ السيف على اهتمام العرب، وعده بعضهم أنهالرجل نفسه، وأطلقوا عليه عبارات المديح، والكنى والأسماء، وكان السيف محل احترام ومكانة مرموقة، فكان يعادل الفرس في رحلة العربي الحياتية، فلا يخرج الرجل من بيته إلا وهو متقلد سيفه، مستعد لأي طارئ يعترضه في الطريق.
المصادر والمراجع
– أبو عبادة البحتري، ديوان البحتري، تحقيق: حسن كامل الصيرفي (القاهرة: دار المعارف 1973م).
– حمد السعيدان: الموسوعة الكويتية المختصرة (الكويت: المؤلف 1971م).
– سيد حنفي حسين، وحسن كامل الصيرفي، محققان، ديوان حسان بن ثابت، (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب1974م).
– صلاح الدين الهادي، الأدب في عصر النبوة والراشدين (القاهرة: مكتبة الخانجي 1987م)
– عبد الرحمن السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق: محمد جاد المولى وآخرون (القاهرة: عيسى البابي الحلبي د. ت.).
– عبد الله بن محمد الزوزني، حماسة الظرفاء، تحقيق: محمد بهي الله (بيروت: دار الكتاب اللبناني 1999م)
– عبده بدوي: أبو تمام وقضية التجديد في الشعر (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب 1985م)
-عبد الفتاح داود كاك، الحماسة الشجرية، دراسة أسلوبية (بيروت: دار الكتب العلمية 2022م)
– عبد الفتاح عبد المحسن الشطي، شعراء إمارة الحيرة (القاهرة: دار قباء 1998م).
– عمر فروخ، أبو تمام (بيروت: المؤلف 1964م:
-محمد الطاهر بن عاشور، ديوان بشار بن برد (تونس: الشركة التونسية للتوزيع 1976م).
– محمد عبده عزام، ديوان أبي تمام، (القاهرة: دار المغارف 1976م)
– محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس، تحقيق: عبد الفتاح الحلو (الكويت: وزارة الإعلام 1986م)
– قدامة بن جعفر، جواهر الألفاظ، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد (بيروت: دار الكتب العلمية 1985م).
– هبة الله بن علي ابن الشجري، الأمالي، إشراف: سيدة مهر النساء (حيدرآباد – الهند دائرة المعارف العثمانية 1986م) ط2
– ياقوت الحموي: معجم البلدان، (بيروت: دار إحياء التراث العربي 1989م)
[1]عبد الرحمن السيوطي، المزهر في علوم اللغة وأنواعها، تحقيق: محمد جاد المولى وآخرون(القاهرة: عيسى البابي الحلبيد. ت.) ج1: 409.
[2]قدامة بن جعفر، جواهر الألفاظ، تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد (بيروت: دار الكتب العلمية 1985م) 253.
[3]محمد مرتضى الزبيدي، تاج العروس، تحقيق: عبد الفتاح الحلو (الكويت: وزارة الإعلام 1986م) ج23: 481. جواثا: حصن في البحرين، الأحساء.
[4]– حمد السعيدان: الموسوعة الكويتية المختصرة (الكويت: المؤلف 1971م) ج2: 981.
[5]– انظر: ديوان أبي تمام، تحقيق: محمد عبده عزام (القاهرة: دار المعارف 1976م) ج1: 40، وانظر: عمر فروخ، أبو تمام (بيروت: المؤلف 1964م) ص 173. وانظر: عبده بدوي: أبو تمام وقضية التجديد في الشعر (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب 1985م) ص 217.
[6]عبد الفتاح داود كاك، الحماسة الشجرية، دراسة أسلوبية (بيروت: دار الكتب العلمية 2022م) ص257
[7]– عبدالله بن محمد الزوزني، حماسة الظرفاء، تحقيق: محمد بهي الله (بيروت: دار الكتاب اللبناني 1999م) ج1: 117. والشاعر الجرجرائي عاش في العصر العباسي، وينتمي إلى جرجرايا، مدينة بين واسط وبغداد، انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج2: 123.
[8]– أبو عبادة البحتري، ديوان البحتري، تحقيق: حسن كامل الصيرفي (القاهرة: دار المعارف1973م) ج2: 1884. انظر ترجمته المطولة في مقدمة الجزء الأول من الكتاب.
[9]– عبد الفتاح عبد المحسن الشطي، شعراء إمارة الحيرة ( القاهرة: دار قباء 1998م) ص 200.
[10]– صلاح الدين الهادي، الأدب في عصر النبوة والراشدين (القاهرة: مكتبة الخانجي 1987م) ص 253.
[11]– أبو سعيد الحسن السكري، شرح ديوان كعب بن زهير (القاهرة: الدار القومية للطباعة 1950م) ص 23.
[12]– ديوان حسان بن ثابت، تحقيق: سيد حنفي حسين، وحسن كامل الصيرفي (القاهرة: الهيئة المصرية للكتاب1974م) ص395.
[13]صلاح الدين الهادي، الأدب في عصر النبوة والراشدين ص 308.
[14]– هبة الله بن علي ابن الشجري، الأمالي، إشراف: سيدة مهر النساء ( حيدرآباد- الهند دائرة المعارف العثمانية 1986م) ط2 ج2: 50.
[15]محمد الطاهر بن عاشور، ديوان بشار بن برد (تونس: الشركة التونسية للتوزيع 1976م) ج1: 334.
[16]– عبد الفتاح داود كاك، الحماسة الشجرية ص 259.
