Description

./CMS/ArticlesAndPopularPosts/ghassan.png

الإتجاهات الحديثة في نقد القصة القصيرة

د.  غسان عبد المجيد

أستاذ محاضر في الجامعة الإسلامية العالمية

إسلام أباد باكستان

Abstract:

This study reveals the importance of modern trends in the criticism of the short story, where contemporary critical approaches are considered tools to explore the depths of the literary phenomenon and not an end in themselves. This study gives a modern, critical view in dealing with the critical phenomenon in the field of human sciences by presenting a number of points that a critic must take into account while carrying out any critical process leading to the integration of contextual critical approaches, and then trying to apply critical theories and trends in general.

ملخص

تكشف هذه الدراسة عن أهمية الاتجاهات الحديثة  في نقد القصة القصيرة ، حيث تعدّ المناهج النقديّة المعاصرة وسائل وأدوات مساعدة على سبر أغوار الظاهرة الأدبيّة وليس غاية في حدِّ ذاتها، ففي البدء كان الخطاب الأدبي ثمّ كانت الممارسة النقدية، التي لازمته وتطورت إلى مناهج النقد المتنوعة "سياقية" كانت أو "نصانية" من خلال البحث عن مقصدية الكاتب، وهذه الدراسة تبرز أهم النقاط التي يستند عليها الاتجاهان البنيوي والسيميائي على وجه خصوص وصولاً إلى أزمة النقد البنيوي والسيميائي على مستوى المنهج (التنظير)، وعلى مستوى التطبيق على الظاهرة الأدبية المعنية في هذه الدراسة وهي القصة القصيرة، وتعطي هذه الدراسة رؤية نقدية حداثيّة في تناول الظاهرة النقدية في مجال العلوم الإنسانية من خلال عرضها جملة من النقاط التي يجب على الناقد مراعاتها أثناء قيامه بأيّة عملية نقدية وصولا إلى تكامل المناهج النقدية السياقية، ومن ثم محاولة تطبيق النظريات النقدية والاتجاهات عامةً، من خلال جهود بعض النقاد الذين تم الإشارة إليهم في هذه الدراسة، حيث تناولت جهود كثير من المنظرين والنقاد سواء أكانوا من الغرب أم من العرب، وتدوين آراءهم النقدية في هذا المجال.

مقدمة:

بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وخروج العالم من النفق المظلم، الذي مضى فيه قروناً طويلةً خرج ليجد نفسه أمام واقع جديد بمعطيات جديدة من شأنها أن تفرز منظومات مغايرة للسائد منها على نحو يجعلها تتعاطى مع هذا الواقع بكافة مستوياته بطريقة تفكير أخرى، وآلية جديدة منظمة تأخذ بعين الاعتبار الأسس العلمية والتأطيرات المعرفية. وبما أن الأدب من البنى الفوقية للواقع،  فإن النقد الموجه إليه طفق يندب حاله في الماضي،  ويعيد نظرته للأدب،  لا بل لنفسه من خلال معطيات جديدة لا تؤمن بالتصورات الذهنية والمنظومات الأيديولوجية،  فتثق فقط بالمشاهدات العينية والحقائق المتجلية في النص الأدبي. فلم يعد النقد الأدبي في أوروبا وأمريكا ودوداً مع اتجاهاته الكلاسيكية كالتاريخية والواقعية والنفسية الخ.  ممن يدعم حواملها تصورات سابقة على النص، فأبدى هذا النقد تطلعاً إلى علمنته وتنظيمه وعقلنته بعيداً عن تدخل الأهواء والميول والوثائق التاريخية. 

الإتجاه البنيوي:

كانت البنيوية البارق الأول، الذي لمع في سماء النقد الأدبي الحداثي، التي تعود بداياتها إلى الستينيات من القرن العشرين عندما أصدر رولان بارت كتابه"عن راسين" surracine" الصادر عام 1963. وثمة رأي آخر يرى أن لفظة بنيوية "structuralisme" وردت لأول مرة عند رومان جاكبسون "في مؤتمر عقد عام1929"[1].  ومهما يكن من أمر فإن البنيوية شقت طريقها في مختلف مجالات الفكر والأدب على نحو خاص متخليةً عن كل الأنساق التقليدية، التي كانت تستند إلى ما هو تاريخي وواقعي.  فلم تأبه بالفوارق الزمنية،  ولا الموضوعات والمضامين بقدر اهتمامها بالبنية الحاصلة. فالبنية في النص الأدبي "ليست التمثل الأمبريقي للعلاقات الاجتماعية،  بل تتمثل في النموذج الذي يتجسد من خلال الممارسة الاجتماعية وهذا النموذج محكوم بترابط عناصره المكونة،  والمنسجمة بحيث يؤدي تغيير أي عنصر إلى تغيير في طبيعة العناصر الأخرى"[2]. فالبنيوية نظرت إلى اللغة على أنها "كل مستقل في ذاته قابل للتصنيف"[3].

ولم تكن جهود كل من العالم اللغوي دو سوسيرومدرسة الشكلانيين الروس وحلقة براغ مجرد إرهاصات لمجيء البنيوية بقدر تشكيلها البوتقة الأساسية، التي احتوت كل ما أفرزته البنيوية فيما بعد.

وتقوم البنيوية على أربعة مبادئ هي "النسقية والتزامنية والتعاقبية والآلية"[4]. فالنسق هو مجموعة العلائق، التي تربط عناصر البنية فيما بعضها وتوحدها في سبيل إنتاج موضوع معين. أما المبدأ الثاني فهو النظام الزمني، الذي تسير وفقه العناصر بثبات وعلى رغم من حدوث انقطاعات في التراتبية الزمنية، أي التعاقب بوصفه المبدأ الثالث فإن عناصر البنية لابد من أن تخضع في نهاية الأمر إلى تلك التراتبية.  أما المبدأ الرابع "الآلية"،  فهي حركة العناصر داخل البنية،  وهذه الحركة محكومة بفعل الداخل،  ولا تخضع لما هو خارجي،  فتتحدد حركة كل عنصر بحسب الحركة، التي يبديها العنصر الذي يقابله أو يشاكله. إذاً فمهمة البنيوية في النص الأدبي تكمن في مقاربته على نحو محايد،  وتحليله تحليلاً سانكرونياً.  فهي تشمل التفكيك والتركيب في آن.

ولم يستفد النقد الأدبي العربي الحديث من البنيوية في مقاربته النصوص الأدبية إلا في السبعينيات من القرن العشرين مع انخفاض النبرة الأيديولوجية، والرغبة في ملامسة أوصال النص اعترافاً بخصوصيته الفنية بديلاً عن تلك التصورات الخارجية، التي لم تأت أكلها على أرض الواقع كما أنها أجهضت المعالم الفنية بتحويلها النصوص الأدبية إلى ما يشبه الوثائق الاجتماعية.

 ويمكن القول بأن "مسوغات دخول المنهج البنيوي في مشهدنا النقدي كما تبدو في كتابات النقاد البنيويين تقوم على علمية، وأهمية دراسة بنية النص الأدبي، وتحليل مستوياته الصوتية والتركيبية والدلالية.  وهو كما تدعي هذه الكتابات ما تفتقده أغلب الدراسات النقدية السابقة، التي تتماهى في التاريخ أو علم الاجتماع،  وتتجاهل بنية النص الأدبي بوصفه لغة"[5].

وكان الاتجاه البنيوي في النقد الأدبي العربي الحديث "في بدايته الأولى شكلياً لغوياً،  ثم ظهرت المزاوجة بينهوبين الاتجاه الواقعي عند بعض النقاد بحيث ينذر اليوم أن نجد ناقداً يأخذ بالاتجاه البنيوي الكلي البحت"[6]. ولم يحضر الاتجاه البنيوي في النقد القصصي في سورية بمثل حضوره في النقد الروائي ففي ما يخص الفترة الزمنية الخاصة بهذا البحث،  أي عقد التسعينيات لم يعول نقد القصة على تبنيه البنيوية في دراسة النصوص القصصية بسبب تغليبه اتجاهات النقد التقليدي، وعدم قدرته على التحرر التام من هيمنة السياقات الخارجة عن النص.

 ويبدو أن "نضال الصالح" كان قد استعان ببعض الأدوات الإجرائية ذات المرجعية البنيوية في دراسته "تحولات الرمل "، وإن كانت هذه الاستعانة مقتضبةً بسبب تخصيص الدراسة فصلاً واحداً لدراسة ما هو فني،  واحتكار معظم فصولها لدراسة النصوص دراسة سسيو-واقعية.

وقد اعتمد الدارس في تناوله الأمور الفنية على مقولات كل من رولان بارت وتوماتشفسكي وجيرار جينيت وتودوروف،  وبعض النقاد العرب ممن تبنوا البنيوية تنظيراً وتطبيقاً مثل يمنى العيد وعبد الله إبراهيم وترجمات منذر عياشي.

وتظهر أولى الأدوات الإجرائية ذات المرجعية البنيوية في مصطلح "الرؤية" مستفيداً مما قدمه كل من تودوروف وتوماتشفسكي في هذا المجال من أنواع للرؤية يتحدد وفقها موقع الراوي من النص،  الذي قد يكون أكبر من الشخصية أو مساو لها أو قد يكون أصغر منها.

كما استوقفته أنماط السرد في القص القطري خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات.  فتناوبت بين نمطين موضوعي يتولى فيه ضمير الغائب سرد الحكاية، وذاتي يسرد الحكاية من خلال ضمير المتكلم مستنداً في ذلك على ما قدمه توماتشفسكي من تعريف لكل من هذين النمطين.

أما فيما يخص لغة القص القطري، فثمة تباين في وظائفها كما تجلى ذلك للدارس فتناوبت بين جمالية/تزيينة لاتحمل أية دلالة أو إضافةً للمحكي،  وبين توضيحية /تفسيرية من شأنها أن تحمل المعاني،  وتحيل على دلالاتها تبعاً لما جاء به جيرار جينيت.

كما أشار إلى ذلك القص، الذي يبدو شديد الانصياع لمعناه التقليدي، وانتمائه إلى المستوى الإبلاغي/الإخباري على نحو مباشر مما أدى إلى إنتاج ما هو فائض على متن الحكي اصطلح عليه توماتشفسكي الحوافز الحرة "التي لا تملك ما يعللها من داخل حركة القص"[7].

وتناول الدارس كل من المفارقات السردية "الاسترجاعات والاستباقات"، التي "تتضافر فيما بينها لتضيء الحار تماماً في دواخل الشخصية القصصية"[8].

إن ما سبق يشمل الأدوات ذات المرجعية البنيوية،  التي استقدمها الدارس بغية القبض على بعض السمات الفنية، التي ميزت القص القطري في الثمانينيات والتسعينيات.

 وتجهر دراسة محمد نديم خشفة "جدلية الإبداع الأدبي" الصادرة في التسعينيات والمعنية بدراسة قص عبد السلام العجيلي بتتبعها البنيوية وذلك من خلال تذييلها لعلامتها اللغوية بعبارة- دراسة بنيوية -،  إلا أن المطلع على مبادئ البنيوية،  وآلياتها في مقاربة النصوص الأدبية سيستشعر شيئاً فشيئاً أن سيرورة الدراسة لم تتواءم ومقاصد المنهج المتبنى، لا سيما في الفصل الأول منها عندما خصه الدارس للعلاقة بين السيرة الذاتية للكاتب والخلفية العقائدية، فكانت الانطلاقة معكوسة تماماً، وعلى غير ما تقره البنيوية التي تنطلق من النص.

أما الفصل الثاني من الدراسة فقد انحرف كذلك الحال عن المسار، الذي يؤدي به إلى إنجاز مقاربة بنيوية.  إذ اضطلع الدارس بتنضيد الموضوعات، التي شكلت المتن الحكائي لقصص العجيلي مبيناً مرجعياتها المستقاة من الطب والبيئة البدوية والعلاقة بين العلم والطب مشيراً إلى أن ثمة موضوعات أخرى تنتمي إلى أدب الرحلات والقضايا الوطنية والقومية.

وفي كل مرة يقدم الدارس الدليل على اتباعه طريقاً خاطئةً لا توصله إلى شواطئ البنيوية فهو دائم الاستهلال في كل فقرة بمقولة أو تصريح للكاتب مما يدل على أن نقطة الانطلاق في هذه الدراسة كانت منتمية إلى "خارج النص ".  وكانت تلك المقولات اللبنات الأساسية، التي يبني الدارس عليها مقولاته النقدية لاحقاً إضافةً إلى استشهاده بالمقولات الناجزة، التي أبداها النقاد والدارسون في قصص الكاتب.

كما كان الدارس دائم الانحراف عن منهج الدراسة الأساسي وذلك بإجرائه لمقارنات لاتقدم ولا تؤخر في شيء،  واستحواذ النظرة الأيديولوجية في بعض الأمور،  لا سيما عندما تناول مسألة الشرف من ناحية أيديولوجية مقارناً مفهوم الشرف عند كل الطبقة الغنية والطبقة الفقيرة،  ولومه الكاتب على عدم غرسه "الوعي الاجتماعي والحس الطبقي"[9] في شخوصه الفنية.

وينزع أحياناً أخرى إلى ما هو نفسي،  لا سيما فيما يخص تفسيره للحلم على أساس نفسي معتمداً على أدلر وفرويد وهوري وابن سيرين بوصفه أحد المكونات الأساسية لقصص الكاتب. 

وتحضر أولى الإشارات إلى بنية القصص عندما تحدث الدارس عن العجائبي في قصص الكاتب،  فشرحه معتمداً في ذلك على تودوروف، لكن هذا المستوى النظري كان منقوصاً من مكمله الإجرائي.  وأخيراً التفت الدارس صوب ما هو نصي بعد أن قطع شوطاً كبيراً في الإبحار ضمن المياه،  التي تحاذي الملفوظ،  فتناول لأنماط السرد معتمداً على مقولات تودوروف وإميل بنفنست وبيتور.  وكان المستوى التطبيقي لأنماط السرد وقفاً على العملية الإحصائية.

إن الدارس لم يلتفت إلى البنيوية إلا في الفصل الثالث من هذه الدراسة،  وحتى تناوله لما هو بنيوي قد حمل معه بعضاً من اللغط والخلط وإغفاله الكثير وقلة إلمامه بمصطلحات البنيوية، وتركيزه على الجانب الإحصائي يبدو أن الدارس قد فهم البنيوية على نحو مناقض ومخالف لها،  فكانت انطلاقته الأولى مما هو سيري.

وليس ثمة من إشارة واحدة ولو على نحو بسيط بحيث يحفظ الدارس من خلالها ماء وجه المنهجية المصرح بإتباعها مسبقاً لتعلن هذه الدراسة عدم توافقها مع البنيوية إلا من العلامة اللغوية على غلاف الدراسة.

الإتجاه السيميائي:

في بداية القرن العشرين كان دو سوسير قد بشر بولادة علم جديد أطلق عليه اسم "السيميولوجية" "ستكون مهمته كما جاء في دروسه التي نشرت بعد وفاته 1916م هي دراسة حياة العلاقات داخل الحياة الاجتماعية"[10]. وتؤكد معظم الدراسات اللغوية أن الأصل اللغوي لمصطلح السيميولوجياsemiotiqe يعود إلى العصر اليوناني،  فهو آت كما يؤكد برنار توسان "من الأصل اليوناني semion الذي يعني علامة وlogos، الذي يعني خطاب وبامتداد أكبر كلمة logos تعني العلم فالسيميولوجيا هي علم العلامات"[11]. والعلم السيميولوجي هو"علم الإشارة الدالة مهما كان نوعها،  وأصلها، وهذا يعني أن النظام الكوني بكل ما فيه من إشارات ورموز هو نظام ذو دلالة. وهكذا فإن السيميولوجيا هي العلم، الذي يدرس بنية الإشارات وعلائقها في هذا الكون،  ويدرس بالتالي توزعها ووظائفها الداخلية والخارجية "[12]. ويرى بيرس أحد أهم المنظرين لعلم السيميولوجيا بأنه ليس باستطاعتنا أن ندرس أي نظام أو أي علم في هذا الكون "كالرياضيات والأخلاق وعلم النفس وعلم الصوتيات وعلم الاقتصاد، إلا على أنه نظام سيميولوجي"[13]. بيد أن السيميولوجيا بوصفها منهجاً نقدياً لم تعرف انتشاراً واسعاً إلا مع السبعينيات من القرن العشرين عندما شهدت إقبالاً واسعاً من قبل كل من النقدين الفرنسي والأنجلوساكسوني. وإذا كان دوسوسير قد عد اللغة جزء من السيميولوجيا،  فإن رولان بارت يؤكد بأن اللغة هي أعقد نظام سيميولوجي. والسيميولوجيا في النقد تسعى إلى "التفكيك والتركيب وتحديد البنيات العميقة الثاوية وراء البينات السطحية المتمظهرة فونولوجياً ودلالياً"[14]. وهي بأسلوب آخر "دراسة شكلانية للمضمون تمر عبر الشكل لمساءلة الدوال من أجل تحقيق معرفة دقيقة بالمعنى"[15].

فالسيميولوجيا لا تنظر إلى مواد النصوص أياً كانت، وكل ما يعنيها النظر إليها بوصفها إجراءً دلالياً لا تجمعياً لعلامات متنافرة"[16].

 ولا تتوقف السيميولوجيا عند ما هو علاماتي / إشاري،  بل إنها تجوس التمفصلات الممكنة للمعنى.  إذ أن السيميولوجيا لا تكف عن كونها سيرورة دائمة لإنتاج الدلالات.  كما أنه من العبث التوقف عند علامات معزولة لأن العلامات هي تشكل نفسها، وتعبر عن معانيها ضمن سياق احتضنها وشكل كياناتها وأعطاها دلالاتها.  فهي لا تقتصر على كشف واحد للمعنى بقدر رصدها لدائرة من المعاني المتولدة عن بعضها البعض، فهي دائمة المطاردة للمعنى، وهي تستلذ بإزدياده،  وغناه وعمق معانيه لأن تلك الانزياحات الدلالية هي في النهاية إنتاج للاستعارات والصور والتوريات.

ومن أهم مبادئ السيميولوجية ما يعرف بالعلامة.  والعلامة "هي مرادف للفظة سمة singn تعني مثلها مثل الرمز،  والقرينة،  والإشارة نفس المدلولات "[17]. والعلامة تتألف عند دوسوسير من دال صوتي يحيل على مفهوم ما،  أي المدلول. أما العلامة عند بيرس "هي شيء ما يشير إلى شيء آخر سواه عند شخص ما في ناحية أو وصفة معينة. والعلاقة بينهما علاقة الإحالة أو المرجعية"[18]. فاللفظة في نص ما هي علامة وعلى هذا فالألفاظ في أي تركيب "تجري مجرى العلامات،  والسمات،  ولا معنى للعلامة والسمة حتى يحتمل الشيء ما جعلت العلامة دليلاً عليه وخلافه"[19]. وثاني تلك المبادئ التي تقوم عليها السيميولوجيا هو التبادل /التشاكل.  إذ أن العلامة /الإشارة تربطها علاقات ترادفية أوتقابلية أوتشابهية صوتية/صرفية مع علامات/إشارات أخرى مما يتيح احتمالات استبدالها على المحور الأفقي.

أما التركيب فهو علاقة الكلم ببعضها البعض ضمن السياق، أي شيء يشبه النحو.  بينما الشفرة code بوصفها مبدأً ثالثاً هي نفسها الرموز، التي تتخذ علاقات مع المدلولات، وتكون إما وضعية،  أو طبيعية،  أو عقلية. أما المبدأ الرابع فهو التناص إذ يعد "من المصطلحات والمفاهيم السيميائية الحديثة له فعاليته الإجرائية في كونه يقف راهناً في مجال الشعرية الحديثة والتحليل البنيوي"[20].

وبناءً على كل ما سبق، فإن أي نص أدبي لا بد من احتوائه على سيرورة دلالية من شأنها الكشف عن المعاني، وأنماط وجودها من خلال مواد متنوعة ابتداءً باللغة وعلامات الترقيم،  وليس انتهاءً بالألوان والصور. وهو ما يشكل الموضوع الفعلي للمنهج السيميائي في النقد الأدبي الحديث.

ومن بين الجهود النقدية السورية المعنية بفن القصة في التسعينيات دراسة يتيمة كان مؤلفها قد تبنى المنهج السيميولوجي. فقد صرح دريد يحيى الخواجة في دراسته المعنونة "تخامرالحلم والواقع في بنية القصة العربية " تعويله "في التحليل على المنهج السيميولوجي"[21]. وعلى الرغم من تطمينات الدارس بأنه لن يلجأ إلى ما هو خارج النص وأنه سينطلق من النص القصصي،  إلا أن هذا لم يثنه عن الاعتماد على بعض مقولات الكاتب، التي أبداها حول قصته عندما رأى فيها "حيلةً فنيةً يتوارى البطل الحقيقي وراء بطل ظاهري"[22]. وكان لهذه المقولة فيما بعد تأثيرها على الدارس،  الذي أكد في غير مرة على أن البطل الحقيقي هو الراوي نفسه، لكنه يتكلم بلسان بطل القصة في الظاهر.

واستهل الدارس تحليله السيميولوجي بالعلامة اللغوية للقصة "السلحفاة تطير"،  فقاربها من ناحية بلاغية،  وذلك لانضوائها على استعارتين الأولى مكنية، والثانية تصريحية "وهكذا تلعب الاستعارتان دورهما في التنازع والادعاء في بنية تبادلية وفي الانتماء إلى عالم خيالي يبرز وجوده الاختصاصي في بعض جدله الارتدادي مع الواقع"[23].

وعمد إلى توزيع القصة على ثلاثة أقسام ينهض كل منها بدوره في القصة من مقدمة ونمطين من الأحداث وخاتمة. ويبدو تناوله لمقدمة القصة من حيث معناها العام فوصفها بأنها "إخبارية من أولها إلى آخرها يتداخل فيها الوصف المباشر لأحوال داود افندي، التي ترسم الخطوط العريضة لسكنه وحارته وعلاقة الراوية به، وعلاقة سكان الحارة بشخصه وتاريخ حياته"[24]. ويبدو تناوله لأنماط السرد منقوصاً من الكفاءة المصطلحاتية.

 وكان درسه للمكان الذي يشكل أيقونةً سيميولوجيةً هامةً في السرد حديثاً مسطحاً لا يغادر ماهو إشاري/وصفي،  فيعدم المرء العثور على رموز المكان ودلالاته.

وناقض الدارس أهم مبادئ السيميولوجيا، التي لا تقوم على اللفظة الواحدة بتجزيئه النص إلى جمل ودرسها على نحو يجعل كل منها قائمة بحدث معين كان قد اطلق عليها دفقات إيقاعية،  وقد عبر عن عجزه الناجم عن قلة اطلاعه على المناهج النقدية عندما عاب على تلك الدفقات الإيقاعية توقفها عن سرد الحدث بسبب تدخلات الكاتب "على لسان الراوية،  الذي يقطع سياق السرد،  ويتدخل شخصياً ليعبر عن رأي أو موقف تأملي "[25]،  وهذا ما يمكن الاصطلاح عليه "بتعطيل السرد".

 وانتاب الدارس في بعض الأحيان نزعات تنتمي إلى الواقعية الاشتراكية خاصةً عندما رأى أن العلاقة بين الراوي والبطل تجسد صراعاً طبقياً.

وكان تناوله للزمن في القصة مشابهاً لما أنجزه فيما يخص المكان فيها،  إذ أنها لا تبتعد عن التقسيمات المعروفة مثل الفترات اليومية،  التي تتراوح بين صبيحة وظهيرة ومساء الخ. . .

وأبدى حفاوةً كبيرةً فيما هو إحصائي عندما أحصى الأفعال الماضية والأفعال المضارعة متناولاً إياها من الناحية البلاغية/النحوية مما يند عما هو سيميولوجي. كما  أحصى الألفاظ الواردة في القصة على نحو يفرز كل مجموعة على حقل دلالي،  لا يغادر دلالاته المعجمية،  فالألفاظ التي تم تداولها في الحارة أو تلك، التي أشارت إليها نضدها ضمن ما أسماه "معجم الحارة"،  وهكذا دواليك تنحو معظم الألفاظ المنحى ذاته.

وتحضر الإشارة إلى ماهو سيميولوجي في تناوله الألوان فصفرة الشمس ماهي إلا دلالة على تدخل الأحلام والأوهام بينما توحي العتمة "بستر الوعي،  أو تغيير قنوات رؤيته"[26]

ولم ير في خاتمة القصة إلا تجسيداً لتلك العلاقة بين الراوي والبطل، التي تقوم على الصراع الطبقي.

لقد سيطر هاجس الإحصاء على مجمل هذه الدراسة،  ولامست ما هو بلاغي/نحوي.  كما أنها لا تحتفي إلا بالحقول الدلالية المعجمية في مستواها الأول. ولم تقارب الدراسة السيميولوجية إلا في إشارات لا تتجاوز الشذرات مهملةً بذلك الكثير مما تحتفي به الدراسات السيميولوجية.

خاتمة

بهذا العرض المقتضب لكل من الاتجاه البنيوي والسيميائي، واستخدامهما في نقد القصة  يمكن للدارس الوقوف على أهم المفاصل المتعلقة بهذين الاتجاهين، من حيث المفهوم، وتطبيق النظريات المتعلقة بهما، كما تجدر الإشارة إلى إن البنيوية قد بدأت بالانهيار في أوائل السبعينات من القرن العشرين، وظهر مكانها في فرنسا ما اصطلح على تسميته ما بعد البنيوية.

المصادر والمراجع

بنكراد، سعيد. "السميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها"، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2002.

بوخاتم، مولاي علي. "مصطلحات النقد السيميائي". ط1. اتحاد الكتاب العرب، دمشق2004.

توسان، برنار. "ماهي السيميولوجيا؟"، تر:محمد نظيف، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب1994.

الجرجاني، عبد القاهر. "دلائل الإعجاز"، دار المعرفة، بيروت1984.

حمداوي، جميل. "مجلة عالم الفكر"، الكويت، المجلد25، العدد3، مارس1997.

حمودة، عبد العزيز. "المرايا المحدبة"، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت1998.

الخواجة، دريد يحيى."تخامر الواقع والحلم في بنية القصة القصيرة العربية".ط1.دار المعارف،حمص1993.

الصالح، نضال،"تحولات الرمل".ط1.منشورات دائرة الثقافة والإعلام، حكومة الشارقة،الإمارات1999.

العيد،  يمنى. "في معرفة النص". ط3. دار الآفاق الجديدة،  بيروت1985.

عيلان، عمر. "في مناهج تحليل الخطاب السردي"، اتحاد الكتاب العرب، دمشق2008.

فضل، صلاح. "نظرية البنائية في النقد الأدبي". ط3.  دار الآفاق الجديدة، بيروت1985.

كليب، سعد الدين. "النقد الأدبي الحديث"، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، حلب1998.

 



[1]حمودة، عبد العزيز. "المرايا المحدبة"، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت1998، ص121.

[2]عيلان، عمر. "في مناهج تحليل الخطاب السردي"، اتحاد الكتاب العرب، دمشق2008، ص25.

[3]فضل، صلاح. "نظرية البنائية في النقد الأدبي". ط3.  دار الآفاق الجديدة، بيروت1985، ص26.

[4]ينظر:العيد،  يمنى. "في معرفة النص". ط3. دار الآفاق الجديدة،  بيروت1985، ص32-34.

[5]"النقد الأدبي الجديد"، ص9.

[6]كليب، سعد الدين. "النقد الأدبي الحديث"، مديرية الكتب والمطبوعات الجامعية، حلب1998، ص138

 

[7]"تحولات الرمل "، ص160.

[8]المصدر نفسه، ص169.

 

[9]"جدلية الإبداع الأدبي"، ص70.

[10]بنكراد، سعيد. "السميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها"، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء، 2002، ص6.

[11]توسان، برنار. "ماهي السيميولوجيا؟"، تر:محمد نظيف، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب1994، ص9.

[12]جيرو، بيير. "مقدمة في علم الإشارة-السيميولوجيا-"تر:مازن الوعر، ص9.

[13]c. perice ,letterst welby ed. i. clieb, new ,haven,1953,p32,

[14]حمداوي، جميل. "مجلة عالم الفكر"، الكويت، المجلد25، العدد3، مارس1997، ص79.

[15]المرجع نفسه، ص23.

[16]"السيميائيات مفاهيمها وتطبيقاتها"، ص7.

[17]بوخاتم، مولاي علي. "مصطحات النقد السيميائي". ط1. اتحاد الكتاب العرب، دمشق2004، ص166.

[18]فضل، صلاح. "مناهج النقد المعاصر"، ص100.

[19]الجرجاني، عبد القاهر. "دلائل الإعجاز"، دار المعرفة، بيروت1984، ص202.

[20]"مصطلحات النقد السيميائي"، ص189.

[21]"تخامر الواقع والحلم في بنية القصة القصيرة العربية"، ص11.

[22]المصدر نفسه، ص33.

[23]تخامر الواقع والحلم في بنية القصة القصيرة العربية"، ص32+33.

[24]المصدر نفسه، ص37.

[25]المصدر نفسه، ص44.

[26]"تخامر الواقع والحلم في بنية القصة القصيرة العربية"، ص75.

 

 

 

 

 

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو