Description

./CMS/ArticlesAndPopularPosts/qutbuddin..jpg

 

رحلة "على ضِفاف نهر الغانج" لعبد الله العامري

                                                                                                                                                                                                                                                                                                 

 

           د. محمد قطب الدين

              أستاذ الأدب العربي المشارك،مركزالدراسات العربية والإفريقية

جامعة جواهرلال نهرو، نيودلهي

Abstract: India has a great account of travel literature about its culture and customs written by Arabs & Europeans since ancient time till the date. This paper outlines the observations and reflections of Abdullah Alaamiri, an Academician turned from UAE, when he visited India in the last century. He recorded his reviews in his journal during his sojourn in India. He didn’t visit Indian monuments only but met the prominent scholars and personalities of that period as well and then penned his memories in this travelogue. The culture and custom, not the topography is his main concern.

Key words: India, Culture, custom.

المدخل:

تعتبر الهند وشبه الجزيرة العربية  بلدين متجاورين لا حائل بينهما إلا البحر. وبكونهما على شاطئ البحر، من الطبيعي أن تكون التجارةُ همزةَ وصل بينهما. فتاريخ العلاقات الهندية -العربية تشير إلى أن التجار من البلدان العربية كانوا يتجهون صَوب مناطق ساحلية هندية ويُصدّرون المنتجات الهندية إلى أوربا وذلك عن طريق مصر والشام.

وتوطدت العلاقات العربية – الهندية في جميع المجالات الحياتية من التجارة والسياسة والاجتماع عبر القرون. وبما أن الهند بلد العجائب والغرائب ولها ثقافات وحضارات ضاربة في القدم ويسكن فيها جنسيات مختلفة ذات عادات وتقاليد متنوعة وتوجد هناك آثار نادرة، توالت زيارات الرحالة العرب إلى مختلف مناطق الهند عبر العصور المختلفة[1].

وعن طريق مشاهدة الآثار القديمة وصل الرحالة إلى اكتشاف وجود الناس في هذا البلد العجيب. لأن السياحة والزيارات لاتوفر التمتع والبهجة ولاتخفف التوتر الذهني للإنسان فحسب بل تربط الإنسان بالإنسان وتكشف عن خزائن القيم الإنسانية والأخلاقية المكنونة أيضا. فإن فكرة الدكتور محمد حسين هيكل تؤيد قولنا هذا حيث يقول: "...وزيارة الآثار لا يقصد بها مشاهدة هذه المباني وما تحتويه للمتاع بجمال العمارة وجمال ما بداخلها وكفى، بل يقصد بها إلى معنى أدق من هذا بكثير، يقصد بها إلى معرفة صلة الإنسان بالحياة والوجود في مختلف أدوار التاريخ"[2].

الهند وزيارتها في العصر القديم:

الهند بلد عريق ومترامي الأطراف، وما زالت ولا تزال محط أنظارالأجانب لأغراض مختلفة. وحكمها الأجانب في مختلف الأدوار فأثرت وتأثرت حتى نالت الاستقلال من براثن الاستعمار البريطاني في عام ١٩٤٧م. وكذلك زارها السياح وقاموا بجولات في أقصى البلاد وأدانيها واكتشفوا الهند حسب مجهوداتهم ومؤهلاتهم."...والحقيقة أن التجوال في "الهند" طويل ومرهق، إلا أنه ممتع، فبقدر المشقة والتعب يستطيع الإنسان أن يتعرف على "الهند" ويرسم لها تصورا"[3].

ولم يزر الرحالة مدينة من المدن الهندية أو منطقة من المناطق الهندية ولم يشاهدوا منظرا من المناظر الطبيعية أو أثرا من الآثار التاريخية إلا وأعجبوا بها ودوّنوها في سجل، ثم نشروها حتى احتل بعض منها مكانة المرجع الأول في تاريخ شعوب الهند وجغرافيتها، منها "سلسلة التواريخ" لسليمان التاجر الذي جاب البلاد حتى وصل الصين ثم قام بجولة حول مؤاني الهند كلها، وكتب رحلته وذكر بحر الهند، ورحلة "بزرك بن شهريار" وكتاب "مروج الذهب" للمؤرخ والرحالة والجغرافي الشهير أبوالحسن علي المسعودي، وكتاب "صور الأقاليم" للإصطخري الذي قدم إلى الهند في عام 950م، وكتاب " تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" للرحّالة والفيلسوف والفلكي والجغرافي والمؤرخ أَبي الرَّيْحَانِ مُحَمَّد بْنِ أَحْمَدَ البِيرُونِيّ، ورحلة "تحفة النُظّار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار" المعروفة برحلة ابن بطوطة.

الرحلة إلى الهند في العصرالحديث:

هذا، والرحالة العرب في العصر الحديث عددهم كبير. ولايزال يزداد عددهم يوما فيوما مع تقدم الهند في كل ناحية من النواحي الحياتية من العلوم والفنون والتكنولوجيا. وبسبب أفكارها الثرية وثرواتها الحضارية والتقافية، تجذب الهند أنظار العلماء والمثقفين والسياسيين إليها ويكتب هؤلاء  الزوار عما يشاهدون في الهند بأعينهم. وربما لا يجدون أي اغتراب او غربة في الهند. وخاصة الرحالة المصريون لا يجدون أنفسهم بعيدين عن ديارهم، كما تشير د. نوال السعداوي قائلة: "...احساس غريب أصبح يلازمني في الهند كلما رأيت طفلا أودخلت بيتا أومعبدا أو مدرسة أو مستشفى أو مصنعا. إحساس غريب كأنما أنا لست في الهند وإنما في مصر، رغم الاختلاف الظاهري هناك نوع من التشابه الغريب، كأنما الجذور واحدة. وأصبحت وأنا أكتشف الهند كأنما اكتشف مصر، وبدأت أتفهم تاريخ مصر من تاريخ الهند، وأرى حقائق عن مصر لم أرها وأنا في مصر. ليس ذلك فقط لأن الانسان لا يعرف بلده إلا وهوخارجها أو لا يرى الشئ إلا من مسافة، وإنما لأن الملامح العامة في الهند تشبه الملامح العامة في مصر بل أن رائحة الهواء ورائحة التراب تكاد تشبه هواء وتراب مصر"[4].

زار الدكتور محمد حسين هيكل الهند في عام١٩٥٣م بدعوة الحكومة الهندية لكي يشارك في الندوة العالمية حول دراسة تعاليم غاندي ودورها في توطيد العلاقات الإنسانية بين الأمم. والتي عقدت في نيودلهي بين الفترة ٥- م ١٧ من شهر ينايرعام ١٩٥٣م[5]، فبعد انتهاء الندوة جال في أرجاء الهند  وشاهد ما تيسرله من الأماكن الأثرية والجامعات العريقة خلال أسبوعين وتأثربهذه الزيارة تأثرا عميقا حتى كتب:"والهند غنية بالأثار إلى غير حد. وآثارها تترك في النفس ألوانا مختلفة من التصور الإنساني للحياة في عصور الإنسان المختلفة. ذلك بأن الهند طرأت عليها ألوان من الحضارات استقرت فيها وتركت من آثارها ما يقف النظر بالفعل. فهناك إلى جانب الآثار الهندوسية الأصلية- التي يرجع تاريخ بعضها إلى ألفي سنة أو أكثر- آثار المغول وآثار الفرس وغيرهؤلاء وأولئك المسلمين. كما أن هناك آثارا حديثة أقام الهنود بعضها وأقام البريطانيون البعض الآخر. وكل هذه الآثار تقف النظر وتدعوإلى عمق التفكير".[6]

الرحالة العامري: حياته ورحلته:

ومن ضمن الرحالة العرب المعاصرين صاحبنا الإماراتي عبد الله ناصر سلطان العامري ورحلته إلى الهند التي تهمنا الآن في هذه المقالة المتواضعة. فإنه ولدعام ١٩٥٤م (ألف وتسع مئة وأربعة وخمسين للميلاد) بدبي. حصل على ماجستير في علوم الطيران ومرة ثانية ماجستير في إدارة الكوارث، وحصل على دكتوراه في علوم السياسة. خدم البلاد عسكريا ثم دبلوماسيا. عمل سفيرا لبلاده في فرنسا. وقام بتمثيل البلاد في اليونسكو، كما خدم البلاد سفيرا في المملكة الأردنية الهاشمية ودولة فلسطين. 

دوافع الرحلة إلى الهند:

والدافع وراء زيارة سلطان العامري إلى الهند هو حكايات عجائب الهند وغرائبها والأفلام الهندية ومسلسلاتها والأغاني الهندية وموسيقاها التي سحَرت قلب عبد الله ناصر سلطان العامري. وقراءته عن المهاتما غاندي وجواهرلال نهرو والشاعر طاغور وغيرهم من الشخصيات الهندية المعروفة كانت الدافع الحقيقي لزيارته إلى الهند. فلنصغ إلى ما يحكي قصة زيارته إلى الهند:"لطالما كنتُ أمنّي النفس بزيارة هذه الأرض التي يطلق عليها (الهند) لألمُسَ ما سمعته عنها، وظل في ذهني وعقلي إلى أن تحقق وعمري ستة عشر عاما..كنتُ أتخيل نفسي في هذه الولاية أو المدينة أو القرية التي كثيرا ما شاهدتها في الأفلام، وخصوصا في فيلم (أمّنا الهند) Mother India، والتقي مع حضارة وتاريخ، وأشاهد ذلك العالم الساحر الغريب والعجيب ، والأهم  من ذلك انني كوّنتُ صداقة متخيلة مع الهند، وبات حلمي أن أزورها فعلا، لأصنع علاقة بيني وبينها، لا أن تبقى العلاقة متخيلة من جانب واحد فقط... كبر إصراري على القيام بزيارة الهند، فزرتها يافعا أثناء عطلات المدارس الصيفية والتي تمتد إلى أكثر من ثلاثة أشهر، سائحا مع بعض أقربائي وأصدقائي، ودارسا في جامعاتها فيما بعد، "[7].

وصف الرحلة:

أثناء زياراته المتكررة إلى الهند في مختلف الفترات من الزمن دوّن عبد الله العامري خواطره وملاحظاتِه ومشاهداتِه حتى أخرجها إلى النور باسم "على ضِفاف نهر الغانج: مقالات هندية"، ونشرها في دارالنشر"ندوة الثقافة والعلوم" بدبي. ونشرت الطبعة الثانية التي بين أيدينا الآن في عام ٢٠١٧م.

                إن كتابه هذا يحمل بين دَفتيه مقالاتٍ رائعةً مملوؤةً بالمعلومات عن الهند وتاريخها القديم والحديث وآدابها ولغاتها وأهاليها وسياستها واقتصادها، كما تسلط الضوء الكافي على أديان الهند المتعددة وقومياتها وثقافتها وعاداتها وتقاليدها. كما هو يفيدنا بانطباعاته الذاتية ومشاعره الشخصية عن المناطق الهندية النائية التي زارها. وهو يجول في مختلف مدن الهند ومناطقها ويقدم للقراء معلوماتٍ شيقةً بأسلوبه الرائع.

إعجابه بالديموقراطية الهندية، وساستها وانجازاتها:

رحالتنا هذا ليس مجرد سائح أو زائر يزور مكانا ويتمتع بروعته وجماله أو يأكل أكلة أجنبية ويتلذذ بها ثم يهضمها بل هو رجل درس السياسة وحصل على درجة الدكتوراة في العلوم السياسية فعندما يزور الهند، يرى كل شئ بنظرة مؤرخ وسياسي وأديب ومفكر. فقد عاش في الهند وتأثر بالسياسة الهندية ونظام حكومة الهند وعبّر عن رأيه عن الديموقراطية وميزاتها ودورها في تقدم الهند ومواكبتها مع العالم. وهو يعترف بتفوق الهند في كل المجالات الحياتية قائلا:"الإنجازات الهندية العلمية والتكنولوجية لم تتوقف في مجالات الطب والصناعة والزراعة والاتصالات وغيرها من العلوم، فالهند قارة كبيرة وقديمة وفي نفس الوقت هي بلد الشباب المبدع في عالم الرقميات والحاسوب"[8]. إنه يخوض في تاريخ الهند القديم ويمر بمختلف أدوار تاريخها ثم يطل على مستقبل الهند في ميدان السياسة والاقتصاد والمجتمع. وخلال جولاته في أنحاء الهند هو لايسمع عن شخصية أو أدب أو لغة ولا يزور أي مكان تاريخي أثري إلا ويتحدث عنه تفصيليا.

وأثناء تصفح رحلته عن الهند الموسومة بـ "على ضفاف نهر الغانغ" نلمس أن عبد الله سلطان العامري معجب بالنظام السياسي الهندي وزعماء الهند وعلومها وفلسفتها وأدبها وأدبائها. فقد ذكر الشخصيات الهندية الكبرى التي ذاع صيتها في العالم من أمثال المهاتما غاندي وجواهر لال نهرو وإندراغاندي والشاعر الكبير رابندر ناث طاغور.

الحديث عن غاندي:

تحدث عبد الله سلطان العامري عن المهاتما غاندي بالتفصيل وأبرز ميزاته التي يتميز بها المهاتما عن القادة الآخرين:"لقد قاد المهاتما غاندي الهند نحو الاستقلال والحرية باقتدارشديد، ومن خلال فلسفة غاية في البساطة: المقاومة السلبية والعمل والنضال، وسرعان ما التف حوله كل الهنود، وسرعان ما ذاع اسمه في كل أنحاء العالم كرمز للمقاومة المستنيرة للاستعمار. وبدأ زعماء العالم يعرفون من هو غاندي. ذلك المحامي الذي ابتكر أسلوبا جديدا للمقاومة لا تسطيع مقاومته أساطيل إنجلترا ولا جيوشها المنظمة، ولا أساليبها في البطش وكبت الحريات"[9].

زيارة راج جات:

زار صاحبنا هذا منطقة "راج جات" بنيودلهي حيث يوجد ضريح المهاتما غاندي. ووجد في حديقة "راج جات" شجرة غرسها الرئيس المؤسس الإماراتي الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عند زيارته لـ"راج جات" قبل أكثر من أربعين سنة، فيرى سلطان العامري بأن هذه الشجرة ليست مجرد شجرة بل هي تبشربعمق العلاقات الودية بين الهند والإمارات العربية المتحدة خاصة والبلدان العربية عامة وتجدد ذكرياتها، فلنقرأ ما يقول العامري: "غرس زايد قبل أكثر من أربعين سنة شجرة "أملتاس"، كما يطلق على تسميتها في الهند، والتي يحتمي الناس تحت ظلالها، والتي من بذورها يُستخرج دواء لكثير من العلل. كأنه كان ضَروريا عند زايد اختيارَه شجرة الظلال والدواء في نفس الوقت، ليعطي معنى مهما يرمُز إلى ضرورة عودة العلاقات العربية الهندية لسابق عهدها، فالعرب بحاجةٍ للهند، كما هي حاجةُ الهند للعرب"[10].

زيارة مومباي وجوباتي:

اتجه الرحالة العامري إلى مدينة "مومبائ" التي تعتبر مدينة اقتصادية ومهدا لبليود السينما الهندية وتعرف بتعدادسكانها الكثيف وبأبنيتها الناطحة للسحاب. وبها أماكن للتنزه والتفرج منها شاطئ البحر"جوباتي" حيث يقضي الناس اجازاتهم ويتريضون. فخلال قيامه في مومباي راح الرحالة العامري إلى "جوباتي". وتمتع هناك مثلما يتمتع الزوار الآخرون. وهو يصور لنا تصويرا رائعا قائلا: "كنا نستمتع بقضاء الوقت على شاطئ جوباتي Chow patty Beach المزدحِم في مومباي الذي يعج بالآلاف من البشر، وتمارَسُ فيه الطقوس واليوغا من الصباح وحتى المساء، كما أن الباعة المتجوِّلين في كل مكان، وكذلك السحرة وأفاعيهم، والأطباء الشعبيون الذين يقومون بتنظيف وعلاج الأسنان والآذان وإزالة الشعر! إضافة إلى الفرق الغنائية الشعبية المتجولة، وكثير من المتسكعين، وكنا نشاهد أناسا يقومون بدفن رؤوسهم في الرمال لعدة ساعات".[11]

إعجابه برابندر ناث طاغور:

ومما لا ريب فيه أن رابندر ناتهـ طاغور هو رمز للثقافة الهندية والأدب الهندي. وهو مفكر كبير وأديب عظيم وموسيقي وفنان رائع. واعترف المثقفون في الهند وخارجها بعلمه وأدبه وفكره، "إذن فـ"طاغور" ليس فقط أكبـر شعراء الهند قاطبة، وإنما هو مفكر عظيم وكاتب قصصي ومؤلف موسيقي ورسام مرموق، ليس ذلك فحسب، بل كان مربيا فاضلا ووطنيا مناضلا شارك في الأحداث المهمة التي مرت بها بلاده، ولعل هذا التنوع والتعدد في السمات والصفات الشخصية والمقومات الفردية قلما يجتمع في شخص واحد، ولكنها تجمعت لدى "طاغور".[12]

وبصفته مثقفا ومحبا للأدب والأديب،إتجه السلطان العامري إلى كلكتا وزار مَتحف رابندر نات طاغور وتأثر به إلى حد أن قال: "رابندر نات طاغور علامة مميزة للحضارة الهندية، ومحطة متألقة من محطات رقيها، ولمَ لا، وهو المبدع الذي لا يُشَق له غبار في توصيف الصورة"[13].

زيارته إلى كشمير:

وعلى حد تعبير سلطان العامري إن منطقة "كشمير" أجمل المناطق في العالم كما صوّرها تصويرا رائعا عند زيارته إلى كشمير. فمعجبا بالمناظر الطبيعة الخلابة يقول:"بالرغم من مشكلاتها السياسية القائمة فإن كشمير، وبغض النظر عن السياسة، هي جزء جميل وساحر ولا يوجد إلا القليل من الأماكن المَثيلة في العالم، وقد أكون مبالغا إن قلت إنه الأجمل"[14]. ولم لا! إن منطقة كشمير تعتبـر جنة الله على الأرض بموقعها المتميـز وجمالها الطبيعي الذي أودعه الله في هذه القطعة من الأرض.  وقد صدق من قال عن كشمير في اللغة الفارسية بما يفيد: إن كانت ثمة جنة على الارض ...... فلا بد ان تكون هي هنا.

زيارة تاج محل:

يقال"إنه من جاء إلى الهند ولم ير "تاج محل" لم يكن قد زارالهند". وإن تاج محل كائن في مدينة "آجرا" بولاية أوترابراديش. بناه الإمبراطور المغولي "شاه جهان" وهو مقبـرة لزوجته المحبوبة "ممتاز محل" والذي أصبح رمزا للحب والمودة وهو يعتبر أجمل بناء في العالم وأندر عمارة في التاريخ المعماري. فهو من عجائب الدنيا السبع. فلم يزررحالة الهند إلا وزار تاج محل ولم يتمالك نفسه إلا أعجب به وأشاد. وما أروع الكلمات التي وصف بها سلطان العامري تاج محل بعد رؤيته فقال:" ثلاثة قرون ونصف القرن مرت على بناء ضريح تاج محل، قد شهد فيه قصة حب أسطورية استمر صَداها عبر كل الأزمان ولم يخبُ بريق العشق بعد تلك القرون. فلا يزال شعاع بدره المضيء يبعَث النورَ حتى الآن، ونوافير العاطفة الجياشة والأحجار (الطيعة) اللينة التي تحمل في طياتها جمالياتٍ ومُنَمنَماتٍ في غاية الروعة، تفيض هي الاخرى بوهَج ومشاعر الحب الخالد، بينما قلاع آكرا وقصرها الأحمر كانت كأوركسترا موسيقية تشير إلى نجمها المفضل، أيقونة الصرح المنير في المدينة التاريخية"[15].

نهر الجانج وكومبه ميلا (Kumbh Mela):

تعتبـر الهند بلد الأنهار وإن نهر "جانج" رمز لثقافة الهند وحضارتها. وهو أشهرالأنهار في الهند وأكثر تقديسا لدى الهندوس. وهو يبدأ من جبال "هيمالايا" في ولاية أوتراخند، الهند وينتهي إلى بنجلاديش. بالإضافة إلى أهمية مائه للشرب والزراعة في مختلف الولايات الهندية، له أهمية دينية قصوى أيضا لدى معتنقي المذاهب الهندوسية حيث يُعتقد بأن ماء نهر "الجانج" ماء مقدس وشفاء للأمراض الكثيرة فيقبل عليه الهندوس في أعداد كبيرة للغطس بهذا النهر وبالتالي يغسلون ذنوبهم، ويذكون أنفسهم ويستشفون من الأمراض المختلفة. ويرمون رماد موتاهم في النهر ويستحمون بمائه ويشربونه تقدسا. فتصادف وصول رحالتنا هذا إلى ضفاف نهر "الجانج" في مدينة "الله آباد" بولاية أترابراديش، التي هي ملتقى نهر "الجانج" (Ganges  ) ونهر جامنا (Yamuna ) حيث يكون تجمع كبير للهندوس بمناسبة " كومبه ميلا" وهو طقس هندوسي مقدس يحدث مرة بعد كل ١٢ عام في مدينة "إله آباد". ويصور لنا سلطان العامري تصويرا رائعا لمناظر "كومبه ميلا" على ضفاف نهر الجانج قائلا: "يحييك الناس بابتسامة صادقة مع كثيرمن الاحترام والتقدير، وهي إحدى سمات التعبد والتقرب الروحي فيما يعتقدون ويعبدون، فالناس هنا يجمعهم العيش السلمي والتعارف مع الآخرين بود وطيبة.. رحلة سفر من الأساطير تعيشها العين بالتفكر والتامل والتعجب من الملايين دون أدنى إشارة للتشاجر او الغضب، الجميع هنا مشغول بطقوس دينه وروحانيته باساطيرها التي عاشت مع الناس آلاف السنين ومن زمان العصر الفيدي"[16].

رحلته إلى ولاية "ميجالايا": 

إن "ميجالايا" كلمة هندية تعني بـ "مكان الغيوم" وهي من إحدى الولايات الشمالية الشرقية الهندية التي تعرف بجمالها الطبيعي وحضارة قبائلها وثقافتها المتميزة والأمطار الكثيرة. وتستقبل السياح من أنحاء العالم بكثرة مواقعها السياحية الجذابة. فقد سافر عبد الله سلطان العامري إلى ولاية "ميجالايا" وجال في أنحاءها واستمتع بكهوفها وشلالاتها وغاباتها التي توجد فيها أشجار العود التي تُستخرج منها العطور الثمينة. إن صاحبنا هذا يحتك هنا مع الشعب ويتعرف على الطقوس والعادات والتقاليد المتداولة بين الشعب الميجالي، كما يرى المجتمع عن كثب حتى يشير إلى تمكين المرأة محللا:" تعمل المرأة بالتجارة، لذلك تشاهد النساء في كل المتاجر يقمن بالبيع والشراء وعد المبالغ المحصلة، والنساء هن من يرثن وليس الذكور. هل هو واقع مؤلم للرجل هنا؟ عندما سألت  أحدهم، أجاب بابتسامة صفراء..ليس تماما"[17]!   

وصف الأعياد والمهرجانات:

وخلال مكوثه في الهند شاهد عبد الله سلطان العامري الأعراس والاحتفاليات ومناسبات الأفراح والمهرجانات والأعياد من أمثال "هولي" (عيد الألوان) و"ديوالي" (عيد الأنوار)، كما تعرف على رياضة "يوغا" التي كان يمارسها الناس رجالا ونساء كل يوم تحت السماء في حديقة قرب سكنه في نيودلهي. ومن يقرأ بتمعن كتابته عن "يوغا" يرى أن له معرفة جيدة عن هذه الرياضة المهة. فلنقرأ ما يكتب"...تعود اليوغا في الهند لأكثر من ٢٥٠٠عام، وقد اشتهرت على نطاق واسع، وغدت لها نظريات، وأصبحت جزءا لايتجزأ من التراث الهندي الغني بكل ما هو عميق وغني ومؤثر".[18]ويستطرد قائلا: "على أي حال فإن اليوغا رياضة تأملية للاسترخاء والهدوء والتأمل وهو ما أراه بشكل يومي أثناء ممارستي للمشي في حديقة الأناند نيكيتن بجوار سكني أو جلوسي في "البلكونة" مع كوب من الشاي وأغاني أم كلثوم ومواويل صباح فخري وقدوده الحلبية"[19].

خاتمة البحث:

إن رحلة عبدالله سلطان العامري تأخذنا إلى العالم السياسي والاقتصادي والتاريخي والحضاري والثقافي للهند كما تجول بنا في وادي كشمير وكهوف ميجالايا وتتفرج بنا على شاطئ جوباتي في مومباي وتُطل بنا على شاطئ نهر "الجانج" وتشارك معنا في مهرجان "كومبه" في الله آباد. وتصورلنا تصويرا رائعا للمناظرالطبيعية المتواجدة في أنحاء الهند الحبيبة والتعايش السلمي مع الود والوئام والمودة وإيمان الشعب الهندي بالوحدة في التنوع كذلك. وخلال دراسة الكتاب "على ضفاف نهر الجانج" نلمس أن عبد الله سلطان العامري هو لم يكن زائرا بحتا ولم يسرد زيارته إلى الأماكن الأثرية المختلفة في أنحاء الهند بل خاض في تاريخ سياسة البلاد وعلّق على القضايا الاجتماعية والثقافية وأُعجب بالعادات والتقاليد والرقص الهندي والأفلام الهندية وأساليب الحياة التي يعيشها الهنود في مختلف أنحاء الهند أيضا. كما شارك هوفي الاحتفاليات والأعياد التي هي أفضل وسيلة للتقارب فيما بين الشعب الهندي على اختلاف ديانتهم وثقافتهم وأعراقهم ومنطقتهم. ومن الأهمية بمكان أن هذاالتقارب هو جوهر لوحدة الشعب الهندي وأبنائهم القادمين.

المصادر والمراجع

1.                        أحمد القاضي، المجتمع الهندي: عادات وثقافات، ط ١، دار العلوم للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر،٢٠١

2. أحمد أبو سعيد، أدب الرحلة وتطوره في الأدب العربي، ط ١، منشورات دار الشرق الجديد، بيروت، 1962

3. أردو دنيا، (مجلة باللغة الأردية) المجلد ١٩، العدد ١٠، نيودلهي، أكتوبر ٢٠١٧. مقالة د. زر نكار، ايك عرب خاتون كا سفرنامه هند، صـ ٥٩-٦١

4.  النساج، سيد حامد، مشوار كتب الرحلة، مكتبة غريب الفجالة، (النسخة الالكترونية من المكبة الإسكندرية)

5. أنيس منصور، حول العالم فى مائتي يوم، طبعة دار الشروق السادسة، القاهرة، مصر2007م

6. حسين محمد فهيم، أدب الرحلات، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1989

7.     زكي حسن، الرحالة المسلمون في العصور الوسطى، دار الرائد العربي، بيروت- لبنان، 1981

8.     شوقي ضيف، الرحلات، دار المعارف، القاهرة، 1956

9.                        عبد الله ناصر سلطان العامري، على ضفاف نهر الغانج، ط ٢، ندوة الثقافة والعلوم، دبي، ٢٠١٧م،

10.             محمد حسين هيكل، الشرق الجديد، ط ٢، دارالمعارف، القاهرة، مصر، 1962

11.             نوال السعداوي، رحلاتي في العالم،  ط ٢، مكتبة مدبولي، القاهرة، ٢٠٠٦،

 



١. أحمد القاضي، المجتمع الهندي: عادات وثقافات، ط ١، دار العلوم للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر،٢٠١٩ صـ١٦٦

[2] محمد حسين هيكل، الشرق الجديد، ط ٢، دارالمعارف، القاهرة، مصر، صـ 207.

أحمد القاضي، المجتمع الهندي: عادات وثقافات، ط ١، دار العلوم للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ٢٠١٩ صـ١٦٦.[3]

[4]نوال السعداوي، رحلاتي في العالم،  ط ٢، مكتبة مدبولي، القاهرة، ٢٠٠٦، صـ196،

محمد حسين هيكل، الشرق الجديد، ط ٢، دارالمعارف، القاهرة، مصر، صـ٢٠٥، [5]

 نفس المصدر، صـ 207،[6]

عبد الله ناصر سلطان العامري، على ضفاف نهر الغانج، ط ٢، ندوة الثقافة والعلوم، دبي، ٢٠١٧م، صـ١٨. [7]

   نفس المصدر، صـ ١٥٨[8]

 نفس المصدر، صـ١٠٤[9]

 نفس المصدر صـ ١٢٩[10]

 نفس المصدر، صـ ٣١-٣٢[11]

 أحمد القاضي، المجتمع الهندي: عادات وثقافات، ط ١، دار العلوم للنشر والتوزيع، القاهرة، مصر، ٢٠١٩ صـ١٦٣[12]

 عبد الله ناصر سلطان العامري، على ضفاف نهر الغانج، ط ٢، ندوة الثقافة والعلوم، دبي، ٢٠١٧م، صـ ١١٧[13]

 نفس المصدر صـ ١٦٨[14]

 نفس المصدر صـ-98- 197. [15]

 نفس المصدر، صفـ ٢١٧-١٨[16]

 نفس المصدر، صفـ ١٨٢                    [17]

 نفس المصدر، صفـ ٢٢٩[18]

 نفس المصدر، صفـ ٢٣١[19]

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو