Description

./CMS/ArticlesAndPopularPosts/Atteq.jpg

 

أمل على التل الصغير   

              (قصة فصيرة)

                                    د. محسن عتيق خان

                        رئيس التحرير  لمجلة "أقلام الهند" الإلكترونية

  mohsinatique@gmail.com

 

اليوم، حين تسلقت عائشة ذلك التل الصغير، تساقطت دمعتان من محجريها، منحدرتين على خديها الحمراوين إذ لحظت زوجها الحبيب يلمح بيديه من وراء الحدود، واقفا على هضبة القرية. اعتادت هذا اللقاء من بعد، فكانت تتسلق التل الصغير كل يوم لتكتحل عيناها برؤيته من بعيد. ولكنها اليوم  كانت على غير عادتها  متوترة ومهمومة… لم يبق لديها الآن أي أمل في لقاءه بعد ما لاقى طلبها رفضا من جديد. نظرت إلى زوجها وانهمرت الدموع من عينيها… باءت كل جهودها بالخيبة رغم زياراتها المكثفة للدوائر الرسمية للحصول على رخصة تتيح لها زيارة زوجها في قرية مجاورة… تقع في بلد آخر عبر الحدود. لمحته هذه المرة يهز منديله وظلت تحدق إليه غارقة في الذكريات شيئا فشيئا… ذكريات أيام شبابها وأوائل حياتها الزوجية  بدأت تزاحم أفكارها...

كان الصيف معتدلا في وادي كشمير حين تزوجت من شاب وسيم متواضع من القرية نفسها، كان عاد قبل أيام إلى القرية بعد تخرجه من إحدى الجامعات الشهيرة في دلهي. كان أبوه فخورا بابنه وبدا في غاية السعادة والفرح في حفلة الزواج. في حين كان القلق يساور الشاب لأن أباه لم يسأله عن رأيه في الزواج ورغم ذلك لم يعارض أباه بل امتثل له بدون أن ينبس ببنت شفة.

أخيلة مشتتة كانت تتزاحم في رأسها مثل تزاحم مناظر فيلم متناثرة. تذكرت صديقاتها اللائي كن يجهزنها للزفاف، يداعبنها بالمزاح والقرص، فتبتسم هي حيناً، وترمق إليهن حينا آخر، تجتاحها الرغبة في أن تكيل لهن ببضائعهن. كانت من أجمل فتيات القرية وقد أضفى فستان الزفاف عليها بهاء وزادها حسناً وجمالا فبدت كأنها ملاك بريء هبط للتو على الأرض من السماء. كانت فتاة في منتصف المراهقة، تجهل حقيقة الزواج، وإن كانت لديها بعض المشاعر والعواطف والأفكار تجاه الشاب الأجنبي الذي ستزف إليه طوال حياتها. سبق أن رأته، بل لعبت معه عدة مرات في صباها قبل أن يرحل إلى دلهي بعد بلوغ المراهقة للدراسة في مدرسة قبل التحاقه بالجامعة. فلم يُتح لها بعد ذلك أن تراه إلا  في بعض المناسبات. لم تحمل أي عواطف تجاهه أو تجاه أي شاب آخر في القرية ولكن بعد أن تمت الخطوبة بينهما طفقت عاطفة ما تنمو في قلبها وسرعان ما احتل هو عرش قلبها وأصبح فارس أحلامها. صارت تكنّ له حبا جما وتشعر بقوة عاطفية تشدها إليه إلا أنه آلمها أن كل ما تم من أمر الخطوبة كان بدون رضاه. وتم الزواج حال ما ظلت قلقة وخائفة من أنها ستواجه نقمته وعدم رضاه.

تعانق عقربا الساعة على نقطة 12 في الليل حين فارقتها فتيات القرية ونسوتها ليتركنها وحيدة في غرفة بهية مزينة لتلك المناسبة السعيدة، تفوح عطراً وبهاء. بدأت تنتظر قدوم فارس أحلامها مترقبة لا تدري ما الذي سيحصل، وكيف تستقبله، وكيف يعاملها. لحظات الانتظار القاسية أوشكت على الانتهاء إذ سمعت جلبة وأصوات نسوة ممازحات على عتبة الباب. ها هو يظهر في إطار الباب، يحييها بـ"السلام عليكم" بصوت خافت متردد ويقترب إليها، ويستأذنها بكل أدب وتودد: "ممكن أجلس على السرير؟" هزت رأسها موافقة، فجلس بجنبها، وجعل يغدق عليها ما كنته جوانحه لها من عواطف الحب المشبوبة، وما أحس به تجاهها من مشاعر المودة والهوى الحميمة، يبوح لها بأنها الفتاة الوحيدة التي أحبها منذ صباه. طوال شهر كامل، لم يفارق بعضهما الآخر، وكانا في قمة الحب والسعادة، يطيران مرفرفين في فضاء العاطفة والبهجة. رافقها إلى بحيرة دال الشهيرة عدة مرات، وكانا يبحران طوال الليل فوق مياهها الزرقاء المتلألئة بنور البدر الكامل، يتناغمان بالغرام ويتغنيان بالهيام. كان فنانا رائعا يجيد الرسم. قدّم لها بعض الصور التي كان رسمها أيام دراسته، ورسم لها أيضا صورا خلابة عديدة على لوحة رسمه. كانت حياتهما مفعمة بالفرح، غمرتهما المتعة والحب والمرح، وإذا بمفاجأة تعسة باعدت بينهما وحولت حياتهما إلى مأساة…

مالت الشمس إلى وكنتها في الغرب بأشعتها الباهتة تتدرج إلى الخفوت، إيذاناً بعودة الناس من المزارع والبساتين والمراعي إلى منازلهم. كانت تنتظره ذلك اليوم بلهفة أبلغ من العادة، وعيونها على الباب. فسيغيب اليوم للمرة الأولى منذ زواجهما لليلة كاملة لكي يشارك في حفلة زواج بعض أقربائه في قرية مجاورة. عاد إلى البيت من بساتين التفاح، فوجد شقيقه الأصغر ينتظره مستعدا للمغادرة لحفلة الزواج. لم ترده عن مغادرتها، لأنه كان عليه أن يذهب. إنها حفلة زفاف ابن عمته الذي لم يلقه منذ زواجه. تجهز وخرج مستكرهاً وغادر مع شقيقه الأصغر وكانت الشمس قد عادت إلى قرابها مخلفة حمرة الشفق. ولبثت هي في البيت مغلوبة على أمرها، وجلًا قلبها من أمر ليست تدركه. بلغت الليلة منتصفها، ولم تذق عيناها الكرى، وظلت تتقلب على الفراش متفكرة به. وإذا بأصوات انفجارات ورصاصات متعالية أصمّت آذانها، وأفزعتها فزعا جعلها تشعر بحاجة ملحة إلى ملجأ صدره الجلمود. أفزعت الانفجارات والدي زوجها كذلك، فهرعا إليها مرتجفين مذعورين، وجلسا على السرير بجنبها. استبدّ بهما الخوف لعلمهما بأن التوتر بشأن تقسيم الحدود، القائم بين الدولتين المتاخمتين اللتين حصلتا على استقلالهما قبل قليل، قد استحال إلى وضع حرب شاملة.

دارت رحى الحرب لعدة أيام، لم تعثر هي خلالها على أي أثر له. وذات يوم عند الظهيرة، وضعت الحرب أوزراها، فتوقفت أصوات الانفجارات وانقطع أزيز الرصاصات. ونشر المذياع أن الدولتين قد توصلتا إلى اتفاق، من شأنه إيقاف الحرب، ورسم خط تحكّم على طول الحدود المشتركة بينهما. طار لبهم حين عرفوا بأن خط التحكم يمر بين القرية التي تعيش فيها والقرية التي كان ذهب إليها لحضور حفلة زواج قريب له. كانت قوات الحدود من كلتا الدولتين قد احتلت مواقفها من الحدود على طول خط التحكم، تحرسها بحذر بحيث لم يمكن لأي كان أن يعبر الخط من كلا الجانبين. خط بين الدولتين قد فرّق بينهما وباعد بين القريتين المجاورتين بعداً شاسعاً. حاول مرات أن ينسل إلى قريته عبر الخط من بين الأسلاك الشائكة، ولكن قُبض عليه في كل مرة وزُج به في السجن ليذوق عاقبة تهوره شهوراً. ولم يبق لهما الآن إلا أن يلتقيا لقاء بُعد يحول بينهما الخط الفارق. كانت تصعد كل صباح ذلك التل الصغير وتلوح له بيدها إبقاء على أملها وحفاظا على أمانيها. دميت قدماها بزياراتها المتكررة الكثيرة للدوائر الرسمية وكانت تقدمت بطلبات عديدة للحصول على رخصة تتيح لها زيارته في قرية عبر الحدود ولكن باء كل طلبها بالرفض. مرت الأيام ببطء كأنها أيضا أثقلها فراق الحبيب. وازدادت الأيام ثقلا وبطئا من انتقال أبويها وأبوي زوجها واحداً تلو الآخر إلى جوار الله خلال السنوات الماضية، والذين كانوا من البداية معها يواسونها ويشاركون همها ويخففون عنها ألمها، فبقيت هي الآن وحيدة، تتجرع مرارة الفراق وثقل الانتظار، تناضل وتجاهد بمفردها ولكن ظلت بغيتها بعيدة المنال.

أعادتها من رحلة ذكرياتها ضحكات فتيات أتين إلى التل لرعي الأغنام. كن يعتبرنها مجنونة فريدة من نوعها، بما رأينه من كآبة وجهها الحزين، وبما سمعنه من قصة حبها الكئيب. آن لها أن تعود، فإن سحب الصباح أخذت تنقشع عن السماء، وبدأت الشمس ترتفع من الشرق تنشر ضوئها الحار على وجودها. هزت له يديها لمرة أخيرة متغاضية عن نظرات الفتيات قبل أن ترجع إلى بيتها. دخلت الغرفة التي حملت ذكرياتهما السعيدة بعد فترة طويلة، ولم تتمالك نفسها وأخذت تجهش بالبكاء. لم يبق لديها أي أمل في لقائه. نظرت إلى صورها الجميلة القديمة المعلقة بجدار الغرفة، وذاب قلبها المتنهد نشيجا. قد مرّ خمسون عاما طوال منذ أن فرقت الحرب بينهما. وها قد ذبل جمالها، وشحب وجهها وعلته تجعيدات تكمن فيها شجون عمر طويل. وهزلت يداها وضمرت رجلاها بعد أن كانتا غضة طرية لحما ودما. ظلت تمسك بخيط الأمل طيلة الخمسين عاما، ولكن اليوم، انكسر ذلك الخيط وباتت بلا أمل، ميئوسة منها.

Blog Archive ارشيف المدونة

Video Gallery معرض الفيديو

View All Videos عرض جميع مقاطع الفيديو